فهرس الكتاب

الصفحة 2147 من 5287

كيف أغضى على الدنية والفر س خؤولي والروم أعمامي

فإن كانت الوراثة أثرت في شعره حتى جعلته من الأمثلة اليونانية، فكرة وأسلوبا وخيالا، فلماذا لم تعمل فيه إلا من ناحية الأب، ونحن نعلم أن الخؤولة تأثيرها في ذلك قوي إن لم يكن أقوى من العمومة، ولهذا نصح العرب الآباء بقولهم «خولوا لأولادكم» وأيديهم في هذه النصيحة علم اليوم ..

أما إن كان من البيئة التي تثقف فيها ابن الرومي فإن البيئة كانت بغداد وقد ضمت إلى ابن الرومي غيره من الشعراء في نفس الزمان والمكان .. وابن الرومي الذي يقول بلهجة الأقحاح:

ونحن بني اليونان قوم لنا حجى ومجد وعيدان صلاب المعاجم

وما تتراءى في المرايا وجوهنا بلي في صفاح المرهفات الصوارم

يقف عنده الأستاذ أحمد أمين متسائلا: «هل كان مثقفا ثقافة يونانية» ؟ ثم يجيب «ذاك ما لم يظهر في شعره» .

فإن استطاع صديقنا أن يظهر ذلك من شعره فإنه يفيد تلاميذ أحمد أمين رحمه الله.

وأما أبو تمام فإنه من ناحية الوراثة اختلف في يونانيته منها، وتملص هو نفسه من غير النسب العربي عامة وانتسب 7إلى طىء وأشاد بها، وغير حتى اسم أبيه غير العربي. والنتيجة أنه غير عربي والسلام، أما كونه يونانيا والسلام، فهذا ما لا أستطع -أنا على الأقل- الاطمئنان إليه ..

بقيت مسألة البيئة التي تثقف فيها، فهي أولا بيئة الشام حيث لقنه في طفولته أستاذه الأول «ديك الجن» فهو ليس ديكا يونانيا وإنما هو ديك جني ..

ثم تحول إلى مصر وعمره نحو السبع عشر سنة، فكان يسقي الماء بجامع عمرو، ويستقي منه الأدب والشعر حتى نبغ في ذلك، فهل كان جامع عمرو يدرس الأدب اليوناني والشعر اليوناني؟

هذا ما يصل إليه منتهى علمي، وكل ما وصل إليه من الناحية الفنية التي أفتن فيها أبو تمام، هو انه اتخذ له أستاذا في ذلك الفن، لم يكن أستاذا يونانيا وغنما كان هذا الأستاذ هو مسلم بن الوليد النصاري الكوفي النشأة الجرجاني الوفاة ..

هذا من ناحية الأسلوب في ألفاظهن أما من ناحية المعاني، فقد قال أبو العلاء في حقه وحق أبي الطيب: أبو تمام والمتنبي حكيمان .. فهل كانت الحكمة وقفا على اليونان حتى نقف شاعرنا عليهم؟

الواقع أنه «صوب العقل» ينال أبا تمام وأبا الطيب وغيرهما من اليونان وغير اليونان.

فإذا كانت الثقافة، فقد شاركه غيره فيها من معاصريه، كما شارك ابن الرومي وإذا كانت الوراثة، -وسلمنا بيونانيتها للشاعر- فلماذا لم تؤثر إلا هذه اليونانية في أولادها، ولم تؤثر الفارسية في أولادها، من مثل زياد الأعجم، واسماعيل بن يسار، ومحمد بن يسار، وابراهيم بن يسار، وأبي العباس ا؟ لأعمى، وموسى شهوات، وغيرهم من شعراء الفرس في العربية على العهد الأموي؟ ودع عنك غيرهم في العصر العباسي ..

وأما عبد الحميد فإنه من ناحية الوراثة يرجح أنه فارسي، ومع هذا فقد حامت حول نسبه الشكوك، ومن الطريف أن نجد الدكتور زكي مبارك يحدثنا في كتابه «النثر الفني» إن أستاذنا الدكتور طه شك في شخصيته، لدرجة أن وصل بها إلى الخرافة. وأما ثقافته فإن الدكتور طه قال: أنه كان يعرف اليونانية، وهذا ما زال عالقا بالأذهان فيما قرأناه له، خصوصا في كتابه «من حديث الشعر والنثر» ، والإجماع يكاد ينعقد على أن ما استحدثه عبد الحميد في نثره كان مجلوبا من الدب الفارسي ولم يكن من الأدب اليوناني، حتى مع تسليمنا بأنه تثقف على سالم مولى هشام، قال بذلك القدامى وقال به المحدثون، وهم كثير يكاد ينعقد بهم الإجماع كما قلت.

أما القدامى فمنهم أبو هلال العسكري الذي دلل على حججه بأدلة وبراهين عملية بعد ما قال: «كان عبد الحميد استخرج الكتابة من رسمها من اللسان الفارسي، فحورها إلى اللسان العربي» ثم قال معللا للتأثير الفارسي عامة في خطب العرب ورسائلها أن «خطب الفرس ورسائلهم هي على نمط خطب العرب ورسائلها» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت