وإذا كنا نناقش أبا هلال العسكري في هذه الدعوى، وهو من رجال القرن الرابع، فنقول له: لم لا يكون الأمر بالعكس فيما يخص هذا التأثير على عهده؟
فإننا في نقاشنا هذا نثبت القضية علينا من حيث هذا التقارب بين الأدبين حتى كانت خطبهما ورسائلها معا على نمط واحد، قلد هؤلاء أو قلد أولئك فيما بعد عبد الحميد، أما عبد الحميد هذا فإنه استحدث ما استحدث من الفارسية، كصديقه ابن المقفع .. وبقى علينا أبو حيان التوحيدي.
والتوحيدي من ناحية السلالة فارسي لا شك فيه، ومن ناحية الثقافة فإنه يمثل هذه الثقافة التي كان يصطخب بها القرن الرابع، ويظن أنه كان من جماعة إخوان الصفا.
فهو فيما يعالج من علم نجده ذا معرفة واسعة من فلسفة وغيرها وإطلاع على فلاسفة يونان وعلى غيرهم فينقل عنهم. ولكن المهم المطلوب في القضية هو هذه المسحة اليونانية -ما ادعى الأستاذ- في آثاره الأدبية. فهذه المسحة «جاحظية» وليست يونانية، لدرجة أن القوم سموه «الجاحظ الثاني» ، فإن استطعنا أن نثبت أن أدب الجاحظ لم يتأثر إلا باليونانية استطعنا بعد ذلك أن تثبت أن أدب التوحيدي لمن يتأثر إلا باليونانية، وهذا ما نطالب به صديقنا ابن المليح ولن نناقش فيه .. ومن النافع أن يرجع صديقنا إلى ما كتبه الدكتور عبد الرزاق محيي الدين عن أبي حيان فيؤيد فيه ما قلناه ف يحقه.
وإذا كان قد وصفنا الأستاذ في «الشق الثاني» بأننا مررنا عليه مر الكرام، فأي مرمره هو على هؤلاء الأربعة وغيرهم؟ أهو مر الكرام .. ؟ لا أدري.
وعلى كل فإننا لا نمر الآن مر الكرام، ونقول: إن تأثر الدب العربي بالفارسية كان أمتن، لأن الأدب الفارسي صادف قلب الأدب العربي فارغا من حب اليونانية فتمكن منه، كما تمكن منه أيضا لعوامل أخرى سالفة، ولم يجد العرب عند هؤلاء مما يتصل باللسان والجنان مثل الأدب، وكانت الأهواء والأذواق غير متباينة في جمال القول -كما لاحظ العسكري وغيره -فكان هذا التأثير أمتن. ويعضده من ناحية أخرى في تقارب الأذواق إننا وجدنا شعراء فرنسا في عهد مبكر قالوا الشعر العربي بتلك الكثرة منهم لدرجة أن عائلة ابن يسار اشتهرت بقوله الشعر العربي المتين، فهل وجدنا على ذلك العهد والعرب في اتصال باليونان -ومنه من أسلم لا محالة- من قال الشعر من يونان؟
ومن ناحية أخرى وجدنا الجاحظ يمثل الثقافة الفارسية بروحها ويذكر منها بعض نصوصها وما وجدناه يذكر عن اليونان إلا شيئا يتصل بالعقول ولا يتصل بالوجدان منبع الأدب الصافي. فالأدب العربي إن استفاد من اليونان فإنما ذلك فيما يتصل بالعقل من علومها وفلسفاتها لا غير. أما أن يستفيد من أدبها -كما حصل في الفارسية- فإن استأذنا طه يذكر في مقدمته على «نقد النثر» إن العرب لما حاولوا أن يستفيدوا من مناحي الأدب اليوناني لم يستطيعوا ذلك واستفادوا استفادة مبهمة غامضة. هؤلاء العرب الذين أشار إليهم هم فلاسفة الإسلام النابغون في فلسفة اليونان.
وقبل أن نصل إلى مناقشة الأستاذ لملاحظتنا الثانية التي بحمد الله كانت «شقا» واحدا ..
نقف عنده حينما يسد باب الأمل في وجوهنا فيقول عنا «وهو لا يستطيع أن يكابر» ..
فما معنى المكابرة التي لا أستطيعها أو أستطيعها؟
إني يا صديقي اكره المكابرة كما تعلم، وأكره المكابرين، ولا استطيع أن أكون مكابرا حتى ولو لم أكره المكابرة والمكابرين.
أظن أن الملل قال نال منك، كما نال نمني في هذا الذي تقرأ، ولكن مع هذا لا يفوتني أن أقول لك: إن الذي قلت فيه: أني لا أستطيع أن أكابر فيه، اطمئن إلى حكمك فيه: ولكن لا تطمئن فيه إلى أن نهضه الفرس في الشعر كانت كما قلت: مقلدة «للشعر العربي بأوزانه وموضوعاته وقوافيه» على الإطلاق، فمن أوزان الفرس «دوبيت» ومن موضوعاته «الملاحم» بمعناها الصحيح -ودع عنك الأوهام- ومن قوافيه ما يخرج عن نظام القوافي العربية. مسألة المقارنة في الجمال حتى بين الشعر العربي. وأما كون نثرهم جميلا -ولو إلى حد ما يسرك من الجمال- فهذا واقع، ولا أحليك فيه على نصوص نثرية، ولكني أحليك على من اعتمدت عليه لا محالة حيث قال لك: «لا ريب أن للفرس نثرا كبيرا قيما…» فلا تهمل هذا واحتفظ بخلاصتك، ومن صديقتك التحيات والتمنيات وإلى اللقاء ..