فهرس الكتاب

الصفحة 2234 من 5287

قوانين الزخرفة عند المسلمين وبداوا يطبقون هذه القوانين بروح جديدة في تحف أروبية خالصة وقام بدراسة هذه الرسوم والزخارف الشرقية كثير من الشخصيات الفنية البارزة، فيروى أن المصور الإيطالي ليوناردوا دافينشي كان يقضي الساعات الطويلة في رسم الزخارف الهندسية الإسلامية ويتجلى لنا اهتمامه بها في الرسم المأخوذ من رسم أولي من إحدى كراساته.

وفي أوائل القرن السادس عشر عاد التأثير الشرقي في الرسوم الأروبية ينتشر بطريقة جديدة هي كتب النماذج التي كانت نتاجا مباشرا لفن الطباعة وبفضل هذه الكتب استطاع الصناع الذين لم يتيسر لهم الحصول على المصادر الأصلية أن يقفوا على نماذج من دراسات مشاهير الرسامين للزخارف الإسلامية ومن أهم كتب النماذج هذه مؤلف وضعه «فرانسكودي بللجرينو» المصور الرسام الذي عمل في بلاط فرانسوا الأول وأكثر أمثلته مشتقة اشتقاقا تاما من نماذج إسلامية وكذلك الكتب التي وضعها بطر فلوتنر Peter Flotner وفرجيل سوليس Virgil Solid ومارتنوس بطرس Martinus Petrus وغيرهم وقد برع في التأثير بمهاره المسلمين الفنية فريق من كبار الصناع مثل أو ديريكس Oderieus من مدينة روما وهو الذي رسم الزخرفة الإسلامية على بلاط الرخام المطعم في جزء من هيكل كاندرائية وستنستر سنة 1286م ومثل وليم موريس William Morris الذي نسج زخارف إسلامية أخرى في المخمل المصنوع سنة 1884م.

فقد قدر لهؤلاء اجمعين أن ينعشوا فن الغرب بين حين وحين وان يسقوه من ذلك المعين الذي كان يعتبر في نظر الأوربيين منهلا دائما للغرب أكثر منه إرثا خلفه الإسلام.

وبهذه المناسبة لا نستطيع أن نغفل ما ذكره Martin Briggs في الفصل الذي عقده عن فن العمارة في كتاب تراث الإسلام إذ يقول (واسم أرابسك الذي يطلق على الموضوعات الزخرفية التقليدية التي كانت ترسم بارزة بروزا بسيطا في انجلترا منذ عصر الملكة إليزابيث، نقول أن هذا الاسم يدل على أننا ميدنون بهذه الزخارف للعرب في العصور الوسطى) .

والحقيقة أن الفنان المسلم هو الذي ابتدع نوعا من الزخرفة النباتية عرف باسم (أرابسك) أو (التوريق) وهذا الاسم الأخير يرجح جدا أن يكون الاسبان قد اشتقوا منه كلمتهم « Ataurique» التي يطلقونها على الزخارف النباتية، على أن الأرابسك الإسلامية تطلق على كل زخرفة هندسية أو كتابية أو حيوانية أو نباتية، من هذا النوع، وإن كانت الخيرة هي الغالبة.

النحت التصويري: والمقصود بالنحت عمل التماثيل وقد اشرنا إلى موقف الدين منها، إلا أن أسلافنا أدركوا أن التحريم منصب على التماثيل التي تعبد من دون الله، وحدها، فصنعوا تماثيل على هيئة الإنسان أو الحيوان لتزيين قصورهم على أنهم لم يعنوا بتقليد الطبيعة تقليدا صادقا إلا بعد أن تطورت الفنون الإسلامية تطورا كبيرا في عصرها الذهبي منذ القرن السادس الهجري (12م) بعد أن تأثرت بالأساليب الصينية.

ولقد صنع المسلمون بعض التحف المعدنية والخزفية على هيئة الحيوانات والطيور كانت تستخدم في الغالب كأجزاء من نافورات تمج الماء من أفواهها أو كآنية خفيفة لحمل الماء وهذا النوع هو الذي أخذت عنه آنية الماء الأوربية التي كانت تسمى في العصور الوسطى أكوامانيل Aquamaniles ويستخدمها القسس في غسل أيديهم قبل القداس وأثنائه وبعده وعلى الرغم من أن الأثر الذي نشأ عن الاحتكاك المباشر بين العالم المسيحي والثقافة الإسلامية لم يظهر في فن التصوير ظهوره في الفنون الأخرى إلا انه يتجلى في استعارة الموضوعات في الآثار الأولى لمدرسة التصوير في «سيينا» SIENA إحدى المدن الإيطالية ثم زاد وضوحا في الفن التوسكاني (ولاية توسكانية بوسط إيطاليا) فظهرت الصور المعممة والوجوه ذات السمة الشرقية في الصور الإيطالية منذ النصف الثاني من القرن 14م كما ظهرت المنسوجات والملابس الشرقية حتى على الأشخاص الذين يلعبون دورا رئيسيا في الصورة كما ظهرت حيوانات غير مألوفة في الغرب كالفهد والقرد والببغاء ويظهر بوضوح أن رسم المناظر الطبيعية بتفصيل الشجار والأوراق النباتية كان تقليدا مقصودا لرسوم الشرق وكذلك تظهر الحروف العربية ذات المسحة الشرقية البحتة مما دفع أدريان دي لونجبرييه Adrien de Longperier إلى نشر مقاله عن «استخدام المسيحية الغربية الحروف العربية في الزخرفة» وقد استخدمت الحروف العربية في زخرفة الصور الإيطالية منذ أيام «جيتو» Giotto صديق دانتي شنة (1266 - 1336) كما أغرم به (فراليبوليبي) Fra Lippo Lippi المصور الفلورنتي الذي رسم لوحة تتوج العذراء وعلى أكمامها وحواشي ثوبها زخرفة من الحروف العربية.

وخلاصة ما ذكرناه أن دين العالم الغربي للإسلام في الفنون الزخرفية في مجموعه كبير بل لعله لا يقل عما تدين به أروبا للعرب، في مختلف نواحي العلم والمعرفة والأدب.

.صور مرفقة

تشاهد في الـ pdf

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت