فهرس الكتاب

الصفحة 2238 من 5287

فقر أساتذة الجامعات العربية:

إن الفقر ليس في مفردات ورموز وتعابير اللغة العربية، ولكن الفقر كل الفقر في عقول أساتذة الجامعات العربية، هؤلاء الأساتذة الذين تلقوا العلم من جامعات الغرب وجاءوا للتدريس في الجامعات العربية، فبدلا من أن يترجموا الحقائق العلمية التي درسوها إلى العربية وبدلا من أن يوجدوا الرموز اللازمة في العربية ويوسعوا أفق المعرفة في عقول طلابهم، اذا بهم يختزلون المعلومات والحقائق التي تعلموها ويضعونها كملخصات للطلبة لا تسمن ولا تغني من جوع، وإذا بطلاب الجامعات يحصلون على شهادات البكالوريوس دون أن يكون لهم ثقافة البكالوريوس المعروفة في جامعات العالم، لأن الحقائق والمعارف التي جمعوها خلال السنوات الأربع في الجامعة لا تكاد تزيد على معلومات ومعارف طلاب الشهادة الثانوية في ألمانيا أو انكلترا شيئا. وقد انتبهت معظم المجلات المصرية للوضع السيء الذي تعانيه الجامعات فكتبت تنتقد وترشد وتنبه، وانتبه أيضا الرئيس جمال عبد الناصر لهذا الموضوع فقال في خطابه الذي ألقاه في الاحتفال الخمسيني بميلاد جامعة القاهرة: (ان العلم يتقدم بسرعة مذهلة، وعلينا أن نسارع إلى موكبه، ونصنع لأنفسنا مكانا في ركبه. لقد عشنا حتى الآن في نهضتنا الحديثة عالة على أفكار ومخترعات صنعها غيرنا فيما خلا جهود فردية متناثرة. لم يعد يليق بآمالنا أن نعيش عالة على الآخرين، ولا عاد يليق بهذه الآمال أن تتعلق بالماضي، وان علينا أن نتحول إلى قوة خلاقة تاخذ مع الآخرين، ولكنها تعطيهم، وتسهم في صنع المستقبل بطريقة إيجابية بناءة) . ان كل عربي يشعر ويحس مع الرئيس عبد الناصر بأن الجامعات وأساتذة الجامعات لم يقوموا بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم كما يجب، فهل من أستاذ جامعي عندنا رشح لنيل جائزة نوبل في الفيزياء أو الكيمياء أو الطب؟ وهل من جامعة عربية ساهمت باكتشافات العلم الحديث؟ وهل تركت أثرا علميا يدل عليها في ميدان التقدم العلمي الحديث؟ الجواب: لا! نقولها آسفين. اننا نأخذ من الغرب ونأخذ بكثرة، وللآن لن نعط العلم الحديث والحضارة الحديثة أي شيء من نتاجنا، في حين أن دولا شرقية كالهند واليابان سبقتنا في هذا المضمار، اذ استطاع علماؤها أن يقوموا باكتشافات علمية لها أثرها الهام في ميدان التقدم العلمي واستطاعوا أن يدخلوا معركة المجد العلمي من بابها الواسع فكان لهم شرف نيل جائزة نوبل في الفيزياء، ومن هؤلاء العلماء رامان الهندي وكيكوشي الياباني. والملاحظ أن المهتمين بالأبحاث العلمية في جامعاتنا العربية هم قلة، والسبب المباشر لذلك هو أن الثقافة التي يتلقونها في الجامعة هي ثقافة انصاف الحقائق أو أوراق (الملخصات) ، و (الاختصارات، وأن الطالب الذي لا يتمكن وهو داخل الجامعة، من استيعاب وإدراك الحقائق العلمية كاملة، لن يتمكن مطلقا من استيعاب وإدراك أي حقيقة علمية وهو خارج الجامعة، لأن المناخ المناسب للبحث العلمي والمطالعات العلمية هو الجامعة وليس التدريس في المدارس الثانوية أو العمل في مكاتب الشركات أو في وظائف الحكومة، انه لمن المؤسف حقا، أن ترى شابا يحمل شهادة جامعية في الفيزياء ويعجز عن تدريس مادة الميكانيك للصف الرابع ثانوي بحجة أن الميكانيك هو رياضة تطبيقية وليس من مواضيع الفيزياء، وانه لا يعرف عن الفيزياء الحديثة إلا معلومات بسيطة مشوشة لا تمكنه من فهم أي موضوع علمي حديث، وبالتالي فإن حقائق الفيزياء الحديثة في واد ومعلوماته الجامعية في واد آخر، أو أن ترى شابا آخر يحمل شهادة جامعية في الرياضيات ويجهل أن المعادلات البسيطة ذات المجاهيل الثلاثة هي من مواضيع الرياضيات العالية كما يظن ويتوهم، وإذا رأى جسما هندسيا لتطبيق إحدى نظريات الهندسة الفراغية ظنه واعتبره لعبة مسلية من ألعاب الأطفال. فهو يجهل مشاكل الرياضيات الابتدائية بالإضافة إلى مثل التحليل الموجه والتكامل الثلاثي والتفاضل المطلق والمعادلات التفاضلية التي يجهل حتى اسمها، أن حل هذه المشكلة القائمة يجب أن يبدأ من أساتذة الجامعات أنفسهم، اننا لا نتهم الأساتذة بالفقر الثقافي، ولكننا نؤكد للشعب العربي وللحكومات العربية أنهم مهملون ومقصرون في واجباتهم وأعمالهم، وهذا الإهمال والتقصير يؤدي إلى جعل المئات من طلابنا، الذين تقذف بهم الجامعات سنويا كحملة بكالوريوس جامعي، انصاف مثقفين يفتقرون إلى العلم والمعرفة الصحيحين.

في اللغات الأوروبية عجز عن التعبير:

ما دمت قد تحدثت عن غنى اللغة العربية، فلماذا لا أتحدث عن فقر اللغات الأوروبية وعجزها في بعض الأحيان، قد يدهش القارئ من هذا القول ويتهمني بالجهل، ولكن مهلا يا عزيزي، فإذا لم تكن من طلاب الجامعة الأمريكية أو اليسوعية في بيروت، فلاشك أن لك أصدقاء أو أقارب يدرسون في هاتين الجامعتين أو سواهما من الجامعات الأجنبية، ان طلاب الفيزياء والرياضيات في الجامعات الأجنبية، لاشك يعرفون أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت