فهرس الكتاب

الصفحة 2273 من 5287

ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فالإسلام - كما ذكر بعضهم - يريد أن يقيم نظاما سياسيا يتمكن بسلطانه من تنفيذ القانون الخلقي في الناس على مبادئ الحرية بالهام من العقيدة الروحية. فالعهود في الأمم أن تترقى عقيدتها تبعا لارتقاء آرائها عن الحكم والحكومة وارتقاء فهمها للنظام والسياسة، ولم يكن هذا شأن المسلم فإن آراءه عن الحق والنظام، والعدل والحرية كانت تابعة لعقيدته الدينية ولم تكنن سابقة لها فآمن بالاه قادر عادل قبل أن تتمثل لذلك كانت الخلافة حسب تعريف ابن خلدون: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها. إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا.

فالإسلام على خلاف غيره من الأديان ليس عقيدة دينية فحسب، بل هو دين وأخلاق ودولة.

ولذلك نجد في تشريعه العبادات وأحكامها والمعاملات وأحكامها، وتسود هذا التشريع كله النزعة الجماعية التي تهدف على صالح الفرد والمجتمع، إلى تهذيبه وتحقيق ما فيه وخير المجتمع بأسره.

ويتبن مما تقدم أن الإسلام ميثاق راعى حاجات العقل والروح معان فالعقل عن طريق العقيدة التي يدركها والتي تقوده إلى اليمان وإلى امتثال ما يأمر به هذا الإيمان من عبادات يستسلم العقل بها للخالق معترفا بعجزه عن إدراك جوهرها، أما الروح فبالأخلاق الصالحة التي هي كما تقدم القول مكمل للإيمان وتنفيذ لغاياته في الحياة الاجتماعية.

لكن مجتمعنا - ويا للأسف - نقض الميثاق وضرب عرض الحائط بما فرضه من التزامات. «إن الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولائك هو الخاسرون» .

ويتجلى هذا النقض في شتى الجوانب وأولها الاستهتار بالعقيدة. وإن لم يكن هذا الاستهتار صريحا إلى درجة الكفر والإلحاد فهو على الأقل استهتار ضمني يتجلى على الخصوص في الميل نحو إسناد حل مشاكل الحياة كلها إلى العقل وحده والحالة أن فوق العقل إلاها يدير الكون بحكمته وقدرته وأن له أسرارا يعجز العقل عن كشفها.

ويتجلى في الاستهتار بالعبادات التي أصبح الكثيرون يعرضون عنها حاسبينها من باب الشكليات التي لا طائل تحتها ولا فائدة مباشرة للجميع منها. فالصلاة والصوم لم يعد لهما في نظر هؤلاء المعرضين أي معنى أو غاية.

كما يتجلى في الاستهتار بالأخلاق فأصبحت المحرمات في نظر بعضهم حلالا وخمدت جدوة الفضيلة وطغت الرذيلة على النفوس لا يردعها عن المنكر رادع كأننا عدنا إلى المجتمع الجاهلي، فالخبث والرياء والزهو والفحش متأصلة في القلوب مسيطرة على الحياة ظاهرا وباطنا، والأنانية والجشع يحتلان في النفوس المتحجرة محل الأخلاق والإحسان.

فلا غرو أن يصل مجتمعنا - بعد أن نقض الميثاق - إلى ما وصل إليه من تدهور وانحطاط ولا عبرة في بعض ما اكتسبناه من التقدم الآلي فإنه لا يعوض النفس ما فقدته من سكينة ولا يكفي لاسترداد مجتمعنا صحته وتناسق وظائف نموه ونشاطه وعليه فلن نسترجع ذلك التوازن إلا بتجديد الميثاق. ولن يقوم هذا التجديد إلا بتفهمنا للإسلام تفهما صحيحا وإدراكنا كنهه ومراميه ويتأتى لنا ذلك بوسائل:

أولا- بإحياء العقيدة عن طريق التعمق في درس العلوم الأدبية والأخلاقية والدينية على أن نعطي العقل حظه والإيمان حظه، هادفين إلى التوفيق بينهما في إطار الإدراك العقلي المحدود ووجود الخالق الغير المحدود، معتبرين بعض مظاهر الحياة المادية كأمراض اجتماعية تستدعي معالجتها اهتماما كبيرا بصحتنا الروحية كما نهتم بصحتنا الجسدية عند البحث عن أسباب العلاج والوقاية.

ثانيا- بإحياء العبادات التي تعيد للنفس اعتبارها وللروحانية مقامها وتشد الرابطة بين الإنسان وربه.

ثالثا- بالعودة إلى الأخلاق الصالحة التي تطهر النفس من أدران الرذيلة وتنزع من القلب جذور الفساد والشر. ولا يتأتى لنا ذلك إلا بضبط النفس وترويضها على الخير حتى تتحرر مما علق بها من أسباب الشر والفساد.

وأن لنا في كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام، المرجع الثابت الأركان الصالح لكل زمان ومكان. فهو المصدر الفياض، لذلك النور الذي يعجز الفكر عن إمداد النفس به فعن طريقه جاءنا الإيمان والإسلام والإحسان، ومن تعاليمه يتكون الميثاق ولا يتجدد إلا به.

والسلام عليكم ورحمة الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت