فهرس الكتاب

الصفحة 2275 من 5287

أنواعها ببقاء كل موع مرغوب في بقائه بميزان مقدر مضبوط، ولتضرب لذلك مثلا الجراد لو لم يدخل تحت ذلك الميزان المضبوط لأكل في سنين قليلة كل شيء أخضر على وجه الأرض من النبات وحينئذ يموت كل حيوان في البر ولا تبقى إلا حيوان البحر، إن الحياة قالب عام يحتوي على أشكال كل شيء حي فيه شكل، كل ورقة في كل شجرة ولون كل زهرة في كل نبات وكذلك ألوان الثمار، وألوان ريش الأطيار، عن الحياة استناد موسيقي علم كل طائر كيف يغني ألحان حبه وعلم كل حشرة كيف تخاطب غيرها من الحشرات بنغمات وأصوات لا يأتي عليها الحصر، تسمع هذه الأصوات في وقت الربيع، ومن هذه الأصوات الموسيقية نقيق الضفاضع وصوت الدجاجة الأمي الذي تخاطب به فراريجها وزئير الأسد وأصوات الناس واختلافها، أقول وهنا يجدر بنا أن نذكر قوله تعالى «ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم أن في ذلك لآيات للعالمين» ففي اختلاف ألوان الناس واختلاف لغاتهم آيات تدل على عظمة الخالق سبحانه وما يعلقها إلا العالمون، وكذلك اختلاف أصواتهم فقد زود الباري سبحانه كل شخص من ذكر وأنثى وصغير وكبير بصوت خاص كم ميز وجهه بشكل خاص يعرف به ويميزه عن غيره.

ثم نعود إلى كلام المؤلف قال: إن الحياة قد أعطت الإنسان وحده القدرة على تركيب الأصوات بالنفخ في القصب أو القرن أو تحريك أوتار العود فتحدث بذلك أنغام وأصوات لا يأتي عليها الحصر تتألف منها الأدوار الموسيقية التي تخلب الألباب، وكل ذلك من ثمرات الحياة ونظمها العجيبة- إن الحياة مهندس ماهر لأنها وضعت تصميم ساقي الجدجد (وهو حيوان يكون في الزرع يشبهه الجرادة في خلقته) له أربع قوائم صغار وله قائمتان طويلتنا نصفها مخروطي صاعد والنصف الآخر كالمنشار نازل يلتقيان بمفصل يستعين بهما على الوثب، ووضعت تصميم العضلات والمفاصيل والقلب الذي لا يزال يوالي ضرباته المنتظمة ونظام الأعصاب الكهربائي لكل حيوان، والنظام الكامل للدورة الدموية لكل شيء حي، ووضعت تصميم شجرة دندليون ذات الأوراق التي هي كالأسنان والأزهار الصفر الرائقة وجعلت لها بزرا مختلف الأولان وساقا وعروقا حمراء تحتوي على عصير لبني اللون مر الطعم، عن الحياة تصنع أوراق الأزهار وتجبر الحشرات أن تحمل اللقاح من العضو المذكر إلى العضو المؤنث من الأزهار، عن الحياة أستاذ كيميائي تعطي الفواكه والثمار طعومها المختلفة وتعطي التوابل ما فيها من الحرافات المختلفة وتعطي الورد وسائر الأزهار روائحها العطرية، عن الحياة تهب الحباحب (وهو دويبة تطير بالليل كأنها شرارة) ضوءا باردا يظهر به في الليل لتزدوج ذكوره بإناثه، عن كمياء الحياة عالية رفيعة لأنها لا تقتصر على جعل أشعة الشمس تعمل على تبديل الماء وحامض الكاربون عودا فسكرا، بل في عملها ذلك تستخلص الأكسجين ليكون حياة للحيوان بتنفسه إياه.

إن الحياة لمؤرخ عظيم لأنها كتبت تاريخها صفحة فصفحة في أثناء العصور تاركة سجلها في الصخور، ذلك السجل المنقوش الذي ينتظر فقد ترجمانا ماهرا ليترجمه ترجمة صحيحة، عن الحياة تعطي المخلوقات الفرح والغبطة لحياتها، فترى الخروف ينقر ويثب دون أن يعرف لماذا يفعل ذلك، عن الحياة تصبغ خد الصبي بحمرة لامعة وتجعل في عينيه بريقا وتجعل على شفتيه ابتساما وضحكا، نعم إن الحياة هي التي تبتسم، أما الطبيعة فلا تعرف الابتسام أبدا.

إن الحياة تحافظ على المخلوقات فتزودهم بالغذاء الوافر فتغذي الطائر وهو في البيضة غذاء كافيا وتعد كثيرا من الصغار أن يكتسبوا معيشتهم فور ولادتهم وتغدي صغارا آخرين بواسطة عطف الأمهات وحنانهن الطبيعي بقصد أو بدون قصد. إن الحياة تنتج الحياة فتعطي اللبن غذاء للمولود على قدر حاجته وكأنها ترى هذه الحاجة قبل حدوثها فتهيئ لها ما تتطلبه، عن الحياة أوجدت حب الأم لأولادها وحب الرجل لبيته الذي يئويه، ولوطنه الذي يحيا لأجله ويقاتل إلى أن يموت لأجله، عن الحياة تحافظ على نفسها بيقظة وحذر، فتعطي بعض المخلوقات ألوانا لتعينها على الاختفاء عن عيون أعدائها، وتعطي بعض المخلوقات سوقا صالحة للجري السريع محافظة على حياتها وتسلح بعض المخلوقات بالقرون الحادة وبعضها بالمخالب لتدافع عن نفسها وتعطي بعض المخلوقات سمعا يفوق سمع أعدائها أو بصرا يفوق بصر أعدائها أو شما قويا تعرف به الخطر قبل وقوعه فتنجو بنفسها، وتعطي بعض المخلوقات أجنحة تحلق بها في أعالي الجو كلما رأت خطرا يهددها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت