فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ويعيش بنو إسرائيل في مصر حياة ذل وشقاء وبؤس، يعانون أفظع أنواع الظلم والاضطهاد وأقسى أساليب الحكم والاستبداد، فيؤمرون بالإنابة إلى الله وتقوية الإيمان وتحسين الصلة بالله ليستحقوا نصره ويوجدوا في أنفسهم صلاحية الوراثة والخلافة في الأرض «وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ» .1
ولا طاعة أعظم من طاعة موسى وانقياده واستسلامه للأمر الإلهي،- بالتوجه إلى أعظم ملوك عصره - وهو الثائر الموتور شديد البطش، عظيم السلطان فيقال: «اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى» 2 ويتوجه إلى بلاط جبار يدعي الربوبية فيدعوه إلى الله الواحد القهار، ويستمر في دعوته وجهاده وفي وعظه وإرشاده حتى يفتح الله بينه وبين قومه بالحق وهو خير الفاتحين.
لقد كان الإيمان والدعوة إلى الله القوة التي واجه بها موسى «مشاكل» عصره وقهر بها أعظم إمبراطورية على وجه الأرض، أرقاها مدنية وأوسعها مملكة وأغناها أسبابا وأعظمها جبروتا.
لو كان موسى - كزعيم لبني إسرائيل - يفكر تفكير الزعماء السياسيين ويستعرض «الإمكانيات» والوسائل التي يملكها قومه، ويزن كل شيء في ميزان الواقع والحكمة العلمية، ولو نظر - وهو الذي نشأ في البلاط الملكي - العدد والعدة والعزة والمنعة والجنود والبنود والثروة والذخائر التي كان يملكها فرعون وقارون في ذلك بين قومه وقوم فرعون، لما جاز له - في شريعة العقل - أن يواجه فرعون بما يسوءه، ولتحتم عليه أن يقتنع بحظه وحظ قومه ويرضى بالوضع السائد، فلا إيمان ولا صلاح، ولا عدل ولا أخلاق، ولا تقوى، ولا إنسانية.
ولكنه نبي يرشده الوحي، ولكنه مؤمن يؤمن بقوة الله ويؤمن بنصر الله، ولكنه داعية يفكر تفكير الدعاة، وأن هذا المنهج من التفكير والعمل هو الذي غير مجرى التاريخ وأتى بالمعجزات وأدهش العقول، وحير الألباب.
ولو كان الرسول الأعظم محمد بن عبد الله r يفكر تفكير الزعماء ويستعرض الإمكانيات والوسائل التي كان يملكها قريش، ولو أنه نظر إلى الإمبراطوريتين اللتين توزعتا العالم المتمدن المعمور، الإمبراطورية الرومية، والإمبراطورية الفارسية، وما تتمتعان به من حول وطول وقد عرف قوتهما وسعة مملكتهما - وهو الفقيه الواعي - لما جاز له - في شريعة العقل - أن يتوجه بدعوته إلى الإنسانية جميعا، ويكتب إلى سيدي العالم المعاصر ورئيسي الإمبراطوريتين الغربية والشرقية يدعوهما إلى الإسلام، ولبقي الوضع الذي كان يسود من قرون. فمتى تملك هذه الحفنة البشرية التي آمنت به القوة التي تضارب قوة الإمبراطوريتين بل تفوقها حتى تهزمها وتدحرها؟ وإلى متى كان يجب عليه أن ينتظر؟ وماذا كان مصير العالم ومصير الإنسانية لو اتجه هذا الاتجاه وفكر هذا التفكير؟ لقد شقيت الإنسانية إذن شقاء طويلا، وتأخر أو توقف طلوع الصبح الصادق، لكان للإنسانية تاريخ غير هذا التاريخ.
ولكنه r نبي يؤمر فيعمل ويتلقى التوجيه والإرشاد من السماء فينفذ، ولكنه مؤمن يؤمن بقوة الله ويؤمن بنصره، ويؤمن بأن الضعيف مع نصره قوي، والقوي بخذلانه ضعيف ويؤمن بقوله تعالى «إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ» 3 ويؤمن بقوله «كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ؛ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.» 4 ويؤمن بأن الله قد تكفل بنصر من ينصر دينه وينهض لإعلاء كلمته فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ» 5 وقال «وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ. إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ. وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ» 6 ويؤمن بأن الله قد وعد بالانتصار والغلبة والعلو والسيادة لعباده الذين قد تحققت فيهم صفة الإيمان وتجلت فيهم حقيقته فقال: «وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ» ولم يعد بشيء من ذلك - من النصر والفتح والظفر والغلبة والعلو والسيادة - على الأهواء والنزعات، والطموح والكبرياء وحب المجد - الفردي أو القومي-، وشرف الدماء والأنساب والبلاد، والعصبيات
1)يونس 87.
2)النازعات 17.
3)آل عمران 160.
4)البقرة 149.
5)سورة محمد 7.
6)الصافات 173.
7)آل عمران 129.