فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والقوميات، فلم يتقدم بشيء من ذلك إلى العالم ولم يطلب به النصر مع أنه - r- من أشرف الأمم وأفضل البيوتات وأقدس البلاد، إنما تقدم بدعوة دينية، ومنهج خاص للحياة لا غنى للأمم وطوائف البشر عنه على اختلاف أوطانها وألوانها ولغاتها، فخضعت له هذه الأمم وهذه الطوائف من البشر ولم تعقها عن ذلك عصبية أو قومية، لأنه لم يكن من دعاة عصبية أو جاهلية وإنما كان داعي دين عام للإنسانية، وداعي عقيدة ومبدأ ومنهج فاضل للحياة، ونصره الله على قلة وضعف وفقر، ونصر كل من قام بهذه الدعوة الدينية وبهذا المنهج الخاص للحياة وتكفل بنصرهم إلى آخر الدهر فقال: «أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» 1
إنني لست ممن يدعو إلى رفض الأسباب والتوكل السلبي ولست ممن يعيش في عالم الخيال والأحلام، ولست ممن ينكر الحاجة إلى الاستعداد وممن لم يقرأ قوله تعالى «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة» ، وقد لمت العالم الإسلامي ومن تزعمه من الشعوب والدول لوما شديدا في كتابي «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» على التقصير في الاستعداد الحربي والصناعي والتخلف عن أوربا في ذلك واعتبرت ذلك سببا من أسباب شقاء الإنسانية واتجاه العالم من الرشاد إلى الضلال ومن البناء والازدهار إلى الهدم والدمار.
ولكني أعارض هذا التفكير الذي تسلط على عقلية العالم الإسلامي في العهد الأخير، وهو النظر إلى الأمم الإسلامية - في مختلف أنحاء العالم - ككتل بشرية شأنها شأن القطعان البشرية الأخرى التي لا رسالة لها في العالم ولا دعوة لها للأمم، توزن في ميزان الإمكانيات والوسائل والاستعداد المادي وتقوم بما تملكه من ثروة وذخائر، والتناسي أو الإعراض عن قوتها الكبرى «الإيمان والطاعة والدعوة إلى الله» .
إننا يا قوم فقراء ضعفاء متخلفون في العلم والصناعة وفي الاقتصاد والسياسة، فالمسافة بيننا وبين الأمم الأوربية مسافة قرون وعهود، فليكن ذلك موضع اهتمام الزعماء والقادة ولينل ذلك كل عناية ورعاية.
ولكننا في وقت واحد القوة الكبرى في العالم فعندنا دين هو حاجة البشرية كلها، وعندنا دعوة تنقذ العالم من نهايته الأليمة التي تنتظره وتدنو إليه، وعندنا الإيمان الذي خلق الأمانة والشعور بالمسؤولية في النفوس ويخلق الدوافع القوية إلى عمل الخير وخدمة الإنسانية وقد حرمتها الأمم الزعيمة للعالم بعد ما ملكت كل الأسباب والوسائل لعمل الخير وخدمة الإنسانية فأصبحت هذه الوسائل ضائعة بل متجهة إلى القضاء على المدنية والإنسانية، وحاجة أوربا في اقتباس هذا الإيمان منا أشد وأعظم من حاجتنا إلى الاقتباس من صنائعها وعلومها، لأن هذا الإيمان هو الأساس وهو الموجه وهو الضابط. وعندنا شريعة تحل جميع المشاكل والأزمات التي يواجهها المجتمع البشري في القرن العشرين، وعندنا - أولا وآخرا - نبي أرسل رحمة للعالمين «يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» [المائدة: 16] .
ألا فلنتجه بهذه الدعوة إلى أوربا الحائرة التائهة بإخلاص ونزاهة وتوجع وشفقة، وبقوة وثقة وإيمان، ولننظر إلى أنفسنا كدعاة ومنقذين، مبشرين منذرين، ونستخدم هذه القوة الجبارة في تغيير مصيرنا ومصير العالم ولنحتل بفضلها مكان الزعامة والقيادة في ركب الإنسانية ومصاف الأمم، بعدما عشنا زمنا طويلا في مؤخر الركب وفي صف التلاميذ والحاشية، ولنتجه بهذه الدعوة المقدسة المنصورة التي إما تقبل فترتفع وتؤمن، وإما ترفض فتهلك وتقهر، بهذه الدعوة التي أوجب الله على نفسه نصرها ونصر رجالها.
ولنتجه بهذه الدعوة إلى مجالات مهجورة وكنوز مطمورة في آسيا وفي إفريقية، على الشعوب التي ملكت الوسائل والعلم والصناعة، والبلاد الواسعة والعقول الخصبة والسواعد القوية، وجهلت الدين والغايات الصالحة والمبادئ الفاضلة، وهي مستعدة لقبول هذه الدعوة، وإذا قبلت هذه الدعوة وفقهتها وأخلصت لها تغير مجرى التاريخ من جديد كما تغير في العهد الأول بإسلام الفرس والترك والديلم، وفي العهد الأوسط بإسلام التتار والمغول.
ألا إننا في حاجة إلى ثورة، إلى ثورة في التفكير والمنهج.
عن مجلة «البعث الإسلامي
1)المجادلة 22.