فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع7 /يناير 1958 ص10

الجسميين بعد الموت، بين استحالة الوصول إلى نتيجة بالاعتماد على العقل وحده، وعلى الرغم من عدم وضوحه في بعض المسائل فقد أثبت بتعمق أنه ليس للفلاسفة حجج برهانية في مسائل الدين، ويتبين من أسلوب حله للمشاكل دهاؤه في تطبيق قواعد المنطق بدقة، وليس من السهولة المطلقة أن نجد لديه شعورا بضرورة نقد منطقي عميق يشبه ما نجده عند الغزالي، وعليه فقد بقيت أفكاره غامضة وموزعة، ولكن يجب أن لا نهمل القول بأنه انتقد الغزالي حينما حرف هذا الأخير كلام ابن سينا عن قصد أو غير قصد، وقد عارض رأي أرسطو في (الطبع) قائلا: (إن الحجارة المرمية في الهواء، حينما تسقط تظهر أنها فارقت المكان الذي امتدت إليه طبقا لوظيفة طبعها) ، وهذا تناقض، لأنه ليس من الممكن أن تمتد إلى مكان فارقته بالطبع، وكذلك انتقد النظرية التي تقول بأن الكواكب ترتكز على محورها الإلاهي مقدما الاحتجاج الآتي: تشهد الملاحظة بحركة الكواكب فقط لا بارتكازها (37) ، ولكن لتترك جانبا مناقشة رأيه المتعلق (بالطبع) أو بالارتكاز).

أما حالة كتب التهافت المتبادلة فيمكن أن يقال فيها: (إن الغزالي انتقد ابن سينا وأرسطو معتمدا على آراء ابن سينا نفسه، أما ابن رشد فقد انتقد بدوره ابن سينا بناء على مبادئ أرسطو، فيؤول الأمر إلى أن كلا من الغزالي وابن رشد انتقد ابن سينا، وعليه فالادعاءات التي تزعم أن ابن رشد دافع عن الفلسفة في كتابه(تهافت التهافت) ضد الغزالي محتاجة إلى تدقيق، وللوصول إلى توفيق حقيقي معتمد على أدلة برهانية، فليس مهما أن يقال ما قاله ابن رشد: إن الأدلة البرهانية موجودة في كتب أرسطو، وعليه فلا يمكن أن يقال بناء على مجرد اسم (تهافت التهافت) أن ابن رشد هدم نظرية الغزالي. وقد دافع هواكازادة رغما عن تضامنه مع الغزالي عن ابن سينا في نقط كثيرة، ولكنه أيضا لم يصل إلى توفيق نهائي، وليس صحيحا ما قيل من أن تهافت الفلاسفة لهواكازادة يرمي إلى مقارنة بين كتابي التهافت للغزالي وابن رشد، كما زعمه كتاب إتحاف السادة للزبيدي شارح الأحياء، وكما ورد في الطبعة الأولى للتهافت المؤرخة سنة 1302 هجرية، إذ أحالت على كشف الظنون، وكاتب سلبي (حاجي خليفة) والسكايك لتسكويريزادة، فليس في نصوص هذه الكتب ما يدل على المدعى، فتعليق كاتب سلبي لا يقول أكثر من أن هواكازادة كتب بأمر محمد الفاتح كتابه تهافت الفلاسفة ليقارن تهافت الغزالي بآراء الفلاسفة (38) ، وقد وقع نفس الغلط في فهرس سركيس وفي (مفكري الإسلام) لكارادوفو، وفي مدخل سارتون وفي بعض مؤلفات الأتراك، ولكن هنالك مؤلفات أخرى تظهر بإخلاص غاية هواكازادة وتقول: إن كتابه عبارة عن مقارناته بين مؤلف الغزالي وبين آراء الفلاسفة لا بينه وبين كتاب تهافت التهافت لابن رشد أو لابن رشد نفسه، ومن جهة أخرى فهواكازادة لم يقم بأية مقارنة في كتابه بين تهافت الغزالي وتهافت ابن رشد، بل إنه لم يذكر ولو مرة واحدة اسم ابن رشد ولا عنوان كتابه.

أما موقف كتب التهافت من مسائل الدين والفلسفة فيمكن أن نقول: إنها لم تصل إلى درجة إحدث انسجام بين العقل وبين الإيمان كما فعله فيلون FHILON وترتولين والقديس TERTULIEN أوغستان، وطوماس، وليبنيز، وأيضا فإنه ليس في القرآن غيب لا يتصور العقل وجوده كغيب التثليث أو الحلول أو الفداء، لأن هذه من الغيب المسيحي، ولذلك لم يهتم فلاسفة الإسلام بمسألة تناقض العقل مع الدين، وكذلك يمكن التأكيد بان كتب التهافت الثلاثة لا ترمي إلى إثبات الديانة الإسلامية ولا سيما بالنسبة للغزالي، خلافا لما زعمه مهران MEHREN فليست الغاية إقامة البراهين أمام الفلاسفة على صحة الديانة الإسلامية للدفاع عنها ولا لقلب بعض الأنظمة الفلسفية على بعض كما فعل تيمون السيلوغرافي Le Syllographe THimon خلافا لما زعمه وبير WEBER (39) ، بل الغاية المقصودة من هذه الكتب هي نقد ادعاء الذين يزعمون أنهم وضعوا (قالبا) نافعا مقنعا مشتملا على حجج برهانية لتبيين المسائل الأساسية للعقيدة الإسلامية، لأنه بالاعتماد على فكرة ضرورة قطع التسلسل اللانهائي للعلل، لا يمكن إثبات ضرورة قبول التوحيد وإنكار الازدواج أو الشرك بصفة مطلقة، فإن العقل يمكن أن يحكم على الروح كما لو كانت حاجة مادية، ولكنه لا يمكنه أن يؤكد بصفة قاطعة هل هي مادية أم لا، وكذلك بالنسبة للعالم، وللذات الإلاهية، فإذا فكر العقل في هذه المسائل استخرج بعض النتائج الممكنة، ولا يمكن أن يؤكد أية هذه الممكنات يتحقق! يمكن للعقل-كما قال الغزالي- أن يفكر في الحالات ولو كانت متناقضة، وبهذا فإن له الجدارة الكبرى أن يثري بمحتويات الفكر الذي يتصوره العقل،

(37) هواكازادة في تهافت الفلاسفة ص 86.

(38) عدنان (العلوم عند الترك العثمانيين من البداية إلى آخر العصور الوسطى) أرشلون ص 356 - 19 - 1937.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت