فهرس الكتاب

الصفحة 2501 من 5287

ولقد وصف التاريخ في كل عصر: أن الأمم التي تقدمت وتركت مدينة وحضارة قد صانت الوثائق من التلف وادخرتها لغيرها تستمد منها ما سلف من علوم وفنون. وكلما ظهرت وثيقة نادرة وعريقة في القدم كانت معروفة أم مجهولة إلا ويعلق عليها أهمية كبرى فيسأل عنها كل باحث وتصبح موضوع الدرس والتحليل والنقد والتعليق بعدما كانت في طي الخفاء ويتمخض عن ذلك نشاط في شتى الميادين الثقافية.

وقد شهدت بمتحف لوفر أثناء تدريبي مع زملائي بدار الوثائق الوطنية - وثائق قديمة جدا على ورق الغزل وأخرى على ورق البردي حجمها يتراوح ما بين ستة وثمانية أمتار على ستين سنتيمترا، يرجع تاريخ كل واحدة منها إلى عصر عائلات الملوك الفراعنة - (الأسرة السادسة عشر) وهذه الوثائق لازالت مصونة لم يؤثر فيها قدم الدهر شيئا، ومع هذه الذخائر نفائس وأشياء أخرى ثمينة منذ ذلك العهد ثم صور وتماثيل وهياكل منذ العصر الحجري.

وقد تساءلت وأنا أتفحص هذه الوثائق وغيرها من الأشياء القديمة كيف كانت الأمم تصون وثائقها منذ كان الإنسان يعيش على البديهة وكيف استطاع الزمان الغابر أن لا يمحو من قائمة الوجود إلى يومنا هذا، هذه التراث، رغم أنها لم تكن تتوفر على نظام أو جمعية تحميها وتدرا عنها الأخطار.

الوثائق ليست هي الكتب

كانت الوثائق ولا زالت إلى الآن أساسا ومصدرا لشتى الفنون وإننا لنجد في بطون الكتب مرتعا خصبا مليئا بتاريخ الوثائق منذ نشأتها في العالم كله، والغريب أن جل الناس يخلط بينها وبين الكتب، فكلما عثر على خرم في بناية هدمتها الكوارث والأحداث الطبيعية إلا واعتبر في نظر العامة خزانة كتب، وشتان بين الوثيقة والكتاب، فالكتاب يهدف لغاية معلومة وضع كاتبه فحواه بعد ما استقى مواده من مصادر خاصة، وقد يتكرر نسخه أن لم يقع طبعه ويتداول بين أيادي الخواص والعلوم ثم يعرض في الأخير للبيع أو يهدي من شخص لأخر، وله أنظمة خاصة بوضعه في الخزائن سواء كان مطبوعا أو خطيا بينما الوثيقة على النقيض من ذلك رغم إنها تشابه الكتاب وله تنتمي، فهي تنفرد بلون خاص وقد يمكن أن تكون أحيانا أدبية أو علمية أو تاريخية صرفة. فنجد الوثيقة مثلا عبارة عن صك أو معاهدة دولية وأوامر رئيسية خاصة لممثلي السلطة أو نص حكم ومنها رسائل خصوصية ونبذ تاريخية لم يسبق لها نشر، إذا أودع فيها صاحبها أفكاره وأحفظ بها لظروف ما، لأنه يخشى النزعات المتطرفة عن نظرياته التي يمكن أن يرتب عنها ما لا نحمد له العقبى، وكذلك السلطة قد لا تسمح في بعض الأحيان للكاتب أن يتجرأ في حالة الطوارئ أو إبان حرب بإعلان قوله للملاء، ربما قد يكون غير ملائم لتلك المناسبة، ومثل هذه الوثائق تحتفظ بها الإدارة وتتركها وشأنها للتاريخ ليتصرف فيها بحكمته ثم تحتفظ الإدارة بسرها على الأقل مدة طبقا لقوانينها المقررة حتى لا تحدث هي أيضا في الأوساط مشاكل تنجم عنها اصطدامات بين طبقات الأمة وفحول الكتاب من جهة وصرامة السلطة من جهة أخرى.

والوثيقة في نظام الإدارة ليست كالكتاب، فالكتب تعار من الخزائن بينما الوثائق تقرأ بمركزها ولا تبارحه حتى لا يقع فيها ضياع أو بتر ومحافظها يحافظ عليها أكثر مما تحرص الابناك على الأوراق النقدية، والوثيقة لها قواعد خاصة في الترتيب حتى لا تبتعد عن سابقتها في الموضوع.

نظرة وجيزة عن الوثائق في مختلف العصور

كان الأشوريون يخزنون الوثائق في قصورهم ومعابدهم اهتماما بها ومحافظة عليها وكذلك فعل الفينيقيون وقد تركوا لغيرهم من الأمم من مستندات الشرق الأوسط وما كان عند البابليين ويوسف الصديق ملك مصر.

والعبرانيون جمعوا من الوثائق والذخائر شيئا كثيرا لا يستهان به وكانوا يخزنونها أيضا في معابدهم كغيرهم من الدول السابقة، لكن النيران قد التهمت كل ما اختزنوه عندما احتل طيطوس مدينتهم ولم يبق منها شيء يذكر والمصريون القدماء قد اشتهروا بجمع الوثائق وصيانتها ولا زال الكثير منها موجودا في جل المتاحف العالمية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت