فهرس الكتاب

الصفحة 2502 من 5287

وارض الكنانة ملئت متاحفها بالعدد الوفير من الذخائر النادرة والنفائس الممتعة، فقد يخيل للزائر «على ما قيل لي» بأنه ينتقل فجأة من عالمه الذي يعيش فيه إلى عالم تلك العصور الغابرة التي كانت تطغى فيها الحضارة الفرعونية الخالدة.

وكلما لمس المرء بيده وثيقة مكتوبة كيف ما كان صنفها أو نوعها إلا ويتشخص حينا عظمة ومجد تلك الأمم التي استطاعت أن تصون للأجيال المقبلة هذه الوثائق والأشياء الأثرية التي هي بمثابة صرح متين شيدت فوقه حضارة مصر منذ ذلك العصر إلى وقتنا الحالي.

وفي باريس بمتحف لوفر ( Louvre) شاهدت أثناء زيارتي جناحا ضخما مملوء بهياكل حجرية من صنع المصريين يرجع تاريخها إلى العصور الأولى الفرعونية، كما شاهدت وثائق من الورق البردي لا ادري كيف نقلتها الأيدي من مكانها إلى عاصمة فرنسا التي صانتها وهي الآن تفتخر بامتلاكها على غيرها من سائر الأمم. وقد يستطيع الزائر بإلقائه نظرة على هذا الجناح أن يلم الماما تاما بتاريخ قدماء المصريين دون أن يرجع إلى أي مصدر أو مرجع لاستقاء المعلومات الضرورية عن هذا الرقي وهذه المدنية التي حققها الإنسان في عصور لو تكن فيها موجودة هذه الآلات الأوتوماتيكية ولا هذه الطاقة الكهربائية التي سخرها العلم الحديث بمشيئة الإنسان

ولقد استغرق طوافي في هذا المكان - متحف لوفر- ما يزيد عن ثلاثة ساعات رغم أنني اجهل جل ما فيه من مآثر استولت على مشاعري، وقد يصعب على الزائر أن يحيط بها إحاطة تامة نظرا لكثرتها ووفرتها ثم أن ضيق الوقت كان لا يسمح لي بإمعان النظر بتدقيق وذلك لتضخم عددها كما وصفته سابقا. والغريب أن هذه الأشياء في حد ذاتها ليست إلا نقطة من ذلك البحر الزاخر الموجود بالوطن المصري الشقيق وبدون ريب أن بالكنانة ما يحير النفوس ويدهش العقول والعارف قد يستطيع أن يدرك مما وصفته الكتب بجميع اللغات ما تحتوي عليه دور الآثار المصرية التي لها مآثر جمة ووثائق لا تحصى ضمت خبر أمم خلت، فيما يرجع لعوائدهم وطقوس طبائعهم ثم عقائد ديانتهم ونظام أحكامهم والعقود التي أبرمت بينهم ومع من تعامل معهم لنمو الاقتصاد وازدهار التجارة والصناعة والفلاحة وكذا تطور البيئات الاجتماعية عبر العصور.

وجل ما هو معروف من الوثائق السياسية والقضائية بمصر يرجع تاريخ قدمها إلى عصر اخناطو

أما اليونان فقد دونوا تاريخ مصر القديم ونقلوه إلى الأجيال التي أتت بعدهم من الوثائق المصرية التي عرفوها حق المعرفة، فقد اخذوا منها كثيرا من العلوم واقتبسوا منها حضارتهم، وهذا ما يدل على أنهم تمكنوا منها واطلعوا على خباياها وأسرارها ولولاها لما نقلوا إلينا ملحمات ولا قصص ممتعة ومن تلك الوثائق عرفت الأجيال خبر مصر والإغريق وآثار حضارتهم.

وفي نهضة أثينا كلف مسؤول بصيانتها واهتمت الدولة بالوثائق غاية الاهتمام وأسندت مهامها لوزير المالية وقام هذا الأخير بالسهر عليها بينما كان كل وزير يصون مستنداته وقتا ما في كل معبد من معابد المدينة ثم يسلمها للمنوط به حفظها ليضعها بدوره في مقره الدائم بالمعبد الكبير: سيبيل ( Cybelle) أو في معبد ديلفوس ( Delphos) أو اولومبيا ( Olympia) ومن هذه الكنوز دونت وقائع تاريخية أثناء الحرب والسلم وعرفنا منها معاهدات أبرمت آنذاك بين الدول وفهمنا من خلال ذلك نصوص الأحكام والقوانين السائدة إذ ذاك ونظام الإدارة في تلك العصور، وقد اتسع المجال لأدباء الإغريق فتركوا لنا مصنفات وقصصا عديدة تتخذ شكل ملحمات تتخللها بطولة قام بها شجعان إغريقيون ثم أخبار أخرى تتصل بالمباريات الاولومبيا ونبذ تاريخية جمعت سياسة واقتصادا ونهضة الحركة الفكرية من الأدب والاجتماع.

وروما نفسها نهجت أيضا نظام أثينا عندما شمخ فلكها واتسعت إمبراطوريتها، فكان وزير المالية في كل عصر هو مسؤول عن محافظة الوثائق من وجهة عامة، وكان كل وزير يدفع بانتظام مستندات إدارة وفروعها إلى أمين المستودعات بعد اجل معين عن انتدابها ليضعها في مقرها الدائم ومنذ ذلك الحين ابتكرت لها أنظمة للترتيب وشرعت لها قوانين للمحافظة عليها.

غير أن هذه الطريقة لم تستمر، فقد اقتضت مصلحة القياصرة بعد حين من الدهر استحوذوا عليها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت