فهرس الكتاب

الصفحة 2835 من 5287

يبتدئ بالجهاد: الحرب المقدسة. إن العدو هو الوثني، وضد هذا العدو أخذ النبي يلوح بالسيف ويرفع العلم الأخضر للجهاد.

في هذا الكفاح، الرجل الحنون الحالم الذي هو محمد أصبح شديد البأس (1) ، وليس هو الذي يرمي، إنه الله (2) ، ويعد أنصاره الثلاثمائة -وهم كل جيشه -بالنصر حيث «الجنة تحت ظلال السيوف» . ويقول لهم: هؤلاء الذين لا يعودون سيجزون أحسن الجزاء، وسيحملون اسم الصالحين (3) ويقول أيضا: «وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ» [آل عمران: 169] . إن فقد الحياة معناه ربح الخلود: «إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ» [التوبة: 111] ، ويقول لهم: إن هذه هي الإقامة في النعيم الخالد، في «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ... » [إبراهيم: 23] حيث الحور العين والكواعب والأتراب يستقبلن الأبطال في ظل النخيل، أما الجبناء فسيذهبون إلى جهنم (4) «فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ» [الواقعة: 42 - 43] .

إن معركته خالصة، فليست المدن والبلاد هي التي يطمع فيها، ولكنها الأرواح، وهو يعارض مقدما حملات الاحتلال والسلب من هؤلاء الذين سيدعون القتال باسمه: «إن جندي الله هو الذي يقدم حياته لا للاستغناء، ولكن في سبيل الله» (5) . وهو لا يريد جنودا مرتزقة بل شهداء.

وعند العودة من كل غزو يكرر: «لقد عدنا من الجهاد: الحرب الصغيرة المقدسة ضد الكفار، والآن يبدأ الجهاد الأكبر: الحرب الكبيرة المقدسة ضد النفس»

إن المعركة المزدوجة - الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر- هي التي سيقوم بها أثناء العشرين عاما حيث هو مع قبضته من الأنصار، سيطهر الجزيرة العربية من الوثنية وسيجعل من مكة مأوى الجاهلية، المدينة المقدسة للإسلام.

وفي المدينة، كما في مكة، ظل عرضة لمهاجمات الأعيان الذين ألفوا، للقضاء عليه، حزب المنافقين، وبقوة الدبلوماسية، نجح محمد في تخفيف وطأة المتعصبين منه، ومنح البلد ميثاقا حل محل النظام القديم القبائلي، مصدر الخلافات الدائمة، وجعل منها مجتمعا إلاهيا، حيث القبائل المتنازلة عن منافساتها المتوارثة، يجب أن تتعاون وتتبادل المساعدة للدفاع عن البلد (6) وميثاق الدولة هذا هو في آن واحد ديني وسياسي، إنه سلفا القرآن؛ فهذه الأخوة تحت رعاية الله، لرجال متحدين لتنفيذ إرادة الله، دون تمييز بين الأجناس أو القبائل، هي الإسلام.

ويهاجمه اليهود بدورهم، رافضين الاعتراف بأنه النبي المخبر عنه في الكتب فيقاطعهم، ومنذ الآن لن يتجه المسلمون نحو القدس لإقامة الصلوات اليومية الخمسة، ولكن نحو مكة، متخلصين من اليهودية (7) ذلك أن المذهب أصبح دينا قائما بذاته: الإسلام.

(1) يستغرب الكاتب أن يحارب النبي أعداءه، لأنه يريد أن يفهم الإسلام كما يفهم المسيحية: من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر.

(2) يشير لقوله تعالى: «وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى» .

(3) يشير لمضمون آيات في هذا المعنى.

(4) من البديهي أن الإسلام لم يهدد الجبناء بجهم، فالجبن ليس جريمة في حد ذاته، ولكن خيال الكاتب الشعري جعله يحكم على الجبناء بجهنم، ما دام الأبطال يدخلون الجنة!

(5) عبارة مقتبسة من مضمون بعض الآيات.

(6) يشير إلى معاهدة «عدم الاعتداء» التي أبرمها النبي (ص) مع يهود المدينة الذين كانوا يتعاونون سرا مع منافقيها ضد المسلمين.

(7) ظل النبي بالمدينة يستقبل بيت المقدس 16 شهرا قبل أن ينزل عليه الوحي بتحويل القبلة إلى الكعبة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: «سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، قل لله المشرق والمغرب» «وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلى لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه» وكان الرسول يتمنى هذا التحويل يدعو لذلك متجها للسماء: «قد نرى تقلب وجهك في السماء فنولينك تقبلة ترضاها، فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت