فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الإنسان يختلف عن الحيوان في نواح مختلفة، يشترك مع الحيوان في الجسم من حيث أنه حيوان يسعى على الأرض، ولكنه يختلف عنه اختلافات تظهر في مختلف نواحي حياة الإنسان، الاختلاف الأول في العقل، الإنسان حيوان ناطق عاقل، ولكن اختلاف الإنسان في العقل عن الحيوان ليس اختلاف نوع بقدر ما هو اختلاف كم ومقدار. وليس من شك في أن الحيوانات تسير أساسا بالغريزة، ولكن ليس من شك أيضا في أن الإنسان غير المتعلم يسير أساسا بالغريزة، وليس من شك أيضا في أن بعض الحيوانات لها قدر من العقل متصل بالغريزة، وأن بعض الحيوانات يمكن أن نعلمه شيئا ويمكن أن نتفاهم وإياه عن طريق ملكة تشبه العقل أو تقاربه، ولكن الإنسان يختلف في أن الله سبحانه وتعالى وهبه قدرا أكثر كثيرا، قدرا من العقل أكثر كثيرا مما وهب غيره من الكائنات، ولكن العقل ليس هو الذي يميز الإنسان من الحيوان التمييز الظاهر، ولعل كل من اشتغل بالتربية والتعليم أو كل من عاش الحياة ومارسها ممارسة تنطوي على الفهم والإدراك الصحيح، لعله يدرك أن العقل ليس أجل ما يميز الإنسان. عن طريق تربية العقل نخرج البشر من الحيوان، والبشر لا يمثل إلا مرحلة من مراحل الحياة الحيوانية على الأرض، العقل ذاته قد يجعل الإنسان يتفنن ويسير في اتجاهات معينة يستغل بها الطبيعة التي حوله فيما لا يفيد أو فيما يدمر وأمثلة ذلك ظاهرة بيننا، والجامعات الأوربية مثلا تعني أشد ما تعني بتربية العقل عند الحيوان الذي نسميه الإنسان، وهي بذلك تربي البشر، هدفها إخراج البشر من الحيوان. الشيء الذي يميز الإنسان حقا عن الحيوان، الشيء الذي ميز الله به الإنسان حقا، والشيء الذي يحاسبنا الله عليه هو الضمير، الضمير هو الذي يميز الإنسان، الضمير هو الذي لا نجد له مثالا في أي حيوان آخر، ليس هناك حيوان له ضمير يؤنبه إذا أخطأ أو أساء إلى غيره، ليس هناك حيوان له ضمير يعلمه هذا الندم الذي ينطوي على حساب البشر، على أن يحاسب الشخص أو الفرد أو الكائن الحي نفسه، الضمير هو الذي يعلمنا خشية الله، العقل يأذن لنا في أن نرى خليفة الله فإذا ما تأملنا وتفلسفنا فإننا نرى الله عن طريق ما خلق الله على الأرض، أما الضمير فإننا نتعمق به ذات نفوسنا ونرى الله سبحانه وتعالى وقدرته في أنفسنا فنخشاه، هذا هو الإنسان. تربية الضمير هي التي تخرج الإنسان من البشر، وهدف الجامعات كما عرفناه نحن في هذه المصانع الرائعة التي عرفها العرب في تاريخهم قديما وحديثا. الجامعات وظيفتها، هدفها الذي يتمثل في الوظيفة فيما بعد، هو أن تخرج الإنسان من البشر، ولعل هذا هو الدرس العظيم. لعله أن يكون الدرس العظيم الذي نتلقاه ويتلقاه العالم وتتلقاه الإنسانية كلها عن العرب، ولكن الوصول إلى مرحلة الإنسانية، هذا الوصول إلى مرحلة الإنسانية بمرحلة البشر ليس هو كل شيء بالنسبة للجامعات إذا ما نظرنا إليها على أنها المصانع التي تخرج الرجال لأن الله لم يخلق الرجال متساوين في القدرات ولا متساوين في الاستعداد، الله خلق الناس مختلفين لحكمة خاصة عنده، حكمة نلمسها في حياتنا وفي حياة العالم كله، وفي حياة الإنسانية كل يوم، هنا نفر من الناس قليل جدا حباهم الله بقدر أوفر من العافية في الجسم بوصفهم حيوان ومن الصحة والنفاذ والبصيرة في العقل بوصفهم بشر، ومن الحساسية في الضمير بوصفهم إنسان. هذا النفر القليل في عهود ماضية كان الله يصطفي منهم الأنبياء الذين يصطفون اصطفاء من عند الله، ولكن هذا الزمن انقضى لم نعد في عهد نبوة، كانت هناك وسيلة أخرى يبرز بها هؤلاء الرجال هي العبقرية، ولكن العبقرية لا تتوافر ولا تبرز إلا إذا أتيح لها الوسط الملائم، الوسط الذي يمليها فتبرز، أو الذي يعاكسها ليسيطر عليها فيتحداها فتبرز أيضا، ولكن اللجوء إلى هذه الوسيلة، وسيلة انصهار العبقرية حتى تظهر يضعنا تحت رحمة ظروف لا نتحكم فيها دائما، وكثير من العبقريات ولد ومات دون أن يحس به الناس، وكثير من العبقريات تحداها الوسط فغلبها فماتت أو اتهمت بالمروق أو الجمود، لذلك فإن هذه الوسيلة في إبراز قلة القلة وصفوة الصفوة بالاعتماد على العبقرية لا يفيد كثيرا، إذن فإن الاعتماد على اصطفاء الله للأنبياء أمره قد انتهى، فالاعتماد على العبقرية لتبرز أمر غير مضمون، فلم تبق إلا الوسيلة الأخيرة وهي إتاحة الفرصة عن طريق هذه المصانع التي تنتقي الرجال وتنتقي النساء تصطفيهم وترعاهم وتهيئ لهم فرصة النبوغ، وفرصة البروز، وفرصة العمل الناجح في خدمة أنفسهم وفي خدمة أهلهم وفي خدمة أوطانهم وفي خدمة الإنسانية.
الجامعات إذن هي مجال اصطفاء الصفوة من الإنسان، تربية العقل تخرج البشر من الحيوان، وتربية الضمير تخرج الإنسان من البشر، والتربية الجامعية الشاملة التي تشمل الجسم وتشمل العقل وتشمل الضمير والتي تهذب النفس وتتناول ناحية التأديب الناحية التي تختلف عن ناحية التعليم، فالله علم الإنسان ما لم يعلم، ولكن عندما جاء الحديث عن الأنبياء، الأنبياء لم يبرزوا بالتعليم وحده، وإنما