فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
برزوا بالتأديب (أدبني ربي فأحسن تأديبي) تأديب النفس في الجامعة، هذا هو الذي يخرج صفوة الإنسان من الإنسان، أو هو الذي يخرج الإنسان من الإنسان، هذه هي إذن مراحل فلسفة التربية الجامعية، وأظن أنني لست بحاجة إذا أو إلى أن أذكركم بأن تاريخنا وتاريخ مصانعنا تمثلت فيه هذه الأهداف، أوربا التي يقال لنا قلدوها، أوربا هذه بمصانع البشر فيها لم تسر في طريقنا، سارت في طريقنا الخاصة قد تكون لذلك أسباب، قد يكون سر ذلك أن أوربا لم تعرف تربية الضمير للنفس عادة، أما نحن فنحن موطن الديانات السماوية المنزلة، وختام هذه الديانات الإسلام الذي قام أساسا وبدأ حيث ينبغي أن تنتهي التربية الجامعية، فبدأ بتهذيب النفس وبتهذيب الروح وبحساب الضمير للإنسان ثم انتهى بعد ذلك إلى العقل الذي يتابع تاريخنا الإسلامي الأول، إذا نظرنا إلى الإسلام ذاته على أنه الجامعة الكبرى للبشر الذي يريد أن ينتقل من مرحلة البشرية إلى مرحلة الإنسانية، إذا نظرنا إلى الإسلام على أنه الجامعة الكبرى لتلك الصفوة التي تريد أن تجد طريقها لأن تتحقق عن طريقها حكمة الله، المدرسة الكبرى التي تسعى فيها الصفوة لأن تخرج الإنسان من الإنسان في ذات نفسها، إذا نظرنا إلى الإسلام على هذا النحو فإننا نرى روعته نرى حكمة الله في أنه اختار هذا الدين وارتضاه لنا وارتضاه للإنسان، نرى حكمة الله في أنه جعل هذا الدين ختام الأديان التي تربي الإنسان وتخرجه من الإنسان، هذه هي صورتنا نحن، وواجبنا أن نعمقها، ليس في التربية الجامعية تعليم مدرسي ولا قواعد بيداغوجية، ذلك شأن المرحلة السابقة التي تعنى بالصغار، أما نحن في الجامعة في هذا المصنع فنتناول الشباب وهو في عهد النورانية في عهد التفتح في عهد الانطلاق في عهد البحث عن الحقيقة والبحث من وراء ذلك عن الله، في العهد الذي يبدأ الضمير في يستيقظ بعد أن تفتح العقل، في العهد الذي يسعى فيه كل طالب أو طالبة إلى أن يحقق في نفسه وعن طريق ذاته أروع ما يستطيع الإنسان أن يحققه كمخلوق على الأرض.
التربية الجامعية إذن شيء آخر يجب أن نتناولها في ضوء هذا الهدف الفلسفي العميق نحن الذين أنعم الله عليهم بنعمة التربية الجامعية، وأنعم عليهم بأن يتأملوا هذه المرحلة إن هذه النعمة الكبرى من الله سبحانه وتعالى علينا أن نحقق عن طريقها آياته في الأرض، هذه النعمة سيترتب عليها حساب عسير، لست أشك في أننا سنكون أول من يحاسب في الآخرة، ولست أشك في أن حسابنا سيكون عسيرا، ولولا لطف الله لأصابنا ما أصابنا في دنيانا وفي آخرتنا إن نحن قصرنا، صحيح أن علينا أن نسعى لنكشف عن الحق وعن الخير وعن الجمال في إبداع الله في هذا الشباب الذي هو فيء بين أيدينا، ولكن السعي وحده لا يكفي، علينا أن نؤمن بهذه الرسالة فالإيمان أساس النجاح، الأستاذ الذي لا يؤمن بالله ولا يؤمن بحكمة الله في الخير ولا يؤمن بأن لهذا الشباب رسالة ولا يؤمن بأن هذا الشباب ورسالته هو أمانة في عنق الأستاذ، هذا الأستاذ لا يصح أبدا أن يؤذن له في أن يتولى التربية الجامعية، فالمسألة إذن - وهذا ينقلني إلى الوظيفة - ليست مجرد وظيفة تؤدى، ليس الأمر مجرد أن نقيم قاعة أو قاعات أو معملا أو مختبر ثم نأتي بأي أستاذ ليعلم ويربي، شأن الجامعة إذن في هذه الحالة لن يختلف عن شأن المدرسة العالية أو المدرسة الثانوية، فيكون الأمر مجرد تعليم لا تربية، وفرق كبير جدا بين التعليم والتربية، التربية هي التي تتناول الإنسان في مجمله، في جسمه، وفي عقله، وفي ضميره، وفي أدب نفسه، أما التعليم فيقف عند العقل، لا ينطلق إلى الضمير، وبعض الناس يتصور خطأ ونقلا عن بعض معاهد أوربا الجامعية أننا نستطيع في الجامعة أن نكتفي بالمختبرات أو أن ندرس المادة، أو أن نربي الشخص على أن يكون صاحب حرفة ممتازا فيها دون أن يكون صاحب روح، ذلك خطأ كبير، وذلك لا يساير تاريخنا ولا يتفق معه ولا تقاليدنا ولا ينمي هذه التقاليد ولا يثبت جذورها في الأرض ليكون أصلها ثابتا وليرتفع فرعها إلى السماء، تربيتنا الجامعية إذن مختلفة كل الاختلاف، وظيفة الجامعة عندنا في عالمنا العربي وبحكم إسلامنا وبحكم رسالتنا في الأرض وبحكم أن الله تعالى جعل منا خير أمة أخرجت للناس، تعليمنا الجامعي وتربيتنا الجامعية يجب أن تسير في الطريق الشامل، وظيفتنا أن نتناول الشباب في كله لا في أجزائه، تربيتنا الجامعية يجب أن تكون تربية شاملة، ولكن يسبقها أن يربي الإنسان نفسه قبل أن يتصدى لتربية الآخرين، هذا سر الأستاذ الناجح، الأستاذ الذي إذا نصح تلميذه بشيء أخذ به قبل أن يتصدى إلى النصيحة، إذا نصحه أن يقرأ وأن يستزيد من العلم وجب عليه أن يستزيد من العلم قبل أن ينصح الطالب، إذا نصحه بأن يحاسب نفسه على ما أفاء الله عليه من نعمة وجب عليه أن يبدأ نافعا أو جامعا للخير لنفسه، هذا الأستاذ يجب أن يبدأ بحساب نفسه هو، إذا طلب إلى الطالب أن يكون في خدمة غيره من الناس وأن تكون حياته حياة تقوم على الإيثار لا الأثرة، وأن يكون نافعا لغيره قبل أن يكون نافعا أو جامعا للخير لنفسه، هذا الأستاذ يجب أن يبدأ بذاته، هذا الأستاذ إن بدأ بذاته فإنما هو يسعى إلى نجاة نفسه، هذا الأستاذ في الجامعة لم يبلغ ما بلغ إلا بفضل