فهرس الكتاب

الصفحة 2870 من 5287

(تانجيتين) (4) وحولوا الحياة البربرية من التأثير الفينيقي إلى التأثر بالحياة الرومانية سواء في تفكيرها أو نظامها وقد حولوا الحياة الاقتصادية نفسها يوم أدخلوا الجمل فتغيرت الحالة من نظام نوميدي أي الرحالات إلى حياة الرعي والانتجاع سيما في بلد الشاوية التي معناها (رعاة الغنم) والتي كانت تشمل حدود نوميديا الحالية ثم انتقلت إلى إقليم (تانجيتين) .

ومن المعلوم أن العقيدة الرومانية كانت قبل ظهور المسيحية عقيدة وثنية متغطرسة قامت على أنقاض الوثنية الفينيقية، فهدم الرومان معبد بعل وعوضوه (بايلون) كما هدموا (قانيث) وعوضوه (بسييلستيس) ثم تمح الرومان بعد انتصار المسيحية في بلادهم وحملوها إلى إفريقيا حين كانت ذات أثر قوي في البربر الذين رأوا فيها عقيدة الخلاص مما يعانون من تعسفات الرومانيين وإرهاقهم للشعب البربري، ولم يلبثوا أن تركوها يوم اعتنقها الرومان كدين رسمي وأصبحت لا تقيم فروقا بينهم وبين أعدائهم.

وإذا كان البرابرة تأثروا بديانة الشرق التي حملها الفنيقيون فعبدوا أوثانا تمثل الإلهة بعل وتانيت، فإنهم كذلك تأثروا بالوثنية الرومانية ثم بالمسيحية لما انتشرت في بلاد الرومان وانتقلت إلى إفريقيا حيث تزعمها الراهب القديس سيبريان Saint Cyperian وقد ظل البرابرة أوفياء للمسيحية إلى عهد الإمبراطور قسطنطين سنة 312 حيث أصبحت المسيحية دين الدولة الرسمي ورأى البرابرة أنها لم تعد متنفسا لثورتهم ضد الرومان فانشقوا عن الكنيسة تحت شعار دوناتزم نسبة إلى راهب قرية بربرية يسمى دونات Donat وقد برز من زعماء المسيحية الراهب الكبير اوغستان Augustin المولود بعنابة سنة 430 والذي حارب الدوناتزم جهد المستطاع وسجل آراءه في كتابه مدينة الله واعترافاتي ولا شك أن أوغستان كان محركا لنشاط فكري ديني في عصره مما خلق في البلاد المغربية نشاطا عقليا حادا ... وقبل أوغستان بكثير عرفت قرطاج اسم الكاتب الكاثوليكي ترتوليان من مواليد 150 م وهو من دعاة المسيحية بين البربر.

تأثرت الفلاحة البربرية بالفلاحة الرومانية وما تزال في الاصطلاحات البربرية عبارات رومانية مثل كلمة (اكر) المحرفة عن اكر والتي معناها الفدان، وكذلك عدة مفردات نباتية.

أما عن التأثير العرفي، فقد يكون في ازرف بعض الأنظمة ذات الأصل الروماني، ويظهر أن نظام (الجماعة) في الحكم قد يكون مستوحى عن نظام الحكم النيابي الروماني والذين يريدون دراسة تفصيلية لهذه النواحي أنصحهم بمطالعة ما كتبه Basset في (محاولات في الأدب البربري) Essai sur la litterature berbere

وما كتبه لاوس في كتابه مسميات وأشياء بربرية وفي الدراسات البربرية التي كتبها Gearmy أما الاقتصاد فإن شبكة خطوط المواصلات التي أنشأها الرومان والتي كانت عبارة عن طرق عريضة مرصفة تربط ما بين طنجة إلى سلا مارة بالعرائش ومن طنجة إلى وليلي وبين تلمسان ووليلي عن طريق تازة، بل أن هناك طريقا تربط بين طرابلس (وتافنة) وقد اقتفى الرومانيون أثر الرحلة الطويلة التي قام بها (هانون) فاستقروا بالشواطئ المجاورة لتطوان برأس (سارطيل) وبقلعة ليكسوس المشرفة على ميناء العرائش، فلا شك أن هذه الشبكة كانت معبدة لحمل البضائع ونقل الصادرات إلى العاصمة (الأم روما) وحمل الواردات إلى الرؤساء والأغنياء، وبذل نشاط تجاري استفادت منه كل الطبقات.

أما التأثير الروماني في المعمار والفنون الجميلة، فإن ذلك يظهر في القناطر العتيقة الموجودة في المغرب ذات الأقواس المتداخلة الأحجار وقناطر حمل المياه وفي الحمامات المبلطة بالفسيفساء وأما الفن فيظهر في صناعة الخزف، وصناعة المصابيح بمدينة (شرشال) القيصرية وبعض صور الزرابي البربرية القديمة.

هذا هو التأثير الروماني أما الحياة الروحية والنعرة القومية فقد كان التأثير في إخمادها ضعيفا، إنما يستطيع إن يؤدي أثره تحت الضغط والتعسف حتى إذا وجد السكان متنفسا لهم ثاروا من جديد، إذ إن اللغة البربرية ظلت قوية طيلة العهد الروماني بل انتشرت هذه اللغة القومية في عهد (مسنيسا) الذي

(4) أطلق الرومان كلمة موريتانيا Mauritania على شمال إفريقيا باستثناء طرابلس وقسمها الامبراطور (كلاوديو) Claudia إلى قسمين التانجتية والقيصرية وفي سنة (361) قسموها إلى عمالات وهي بدورها إلى (ابرشيات) ثم إلى مقاطعات وصارت موريتانيا التانجتية تابعة لإسبانيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت