فهرس الكتاب

الصفحة 2871 من 5287

أحيانا ونفخ في قومه روح العزة الوطنية واستقل باقتصاد بلاده فطبع السكة باسمه وحسن مسائل الفلاحة بأرضه ووحد البلاد سياسيا ورغم أن البرابرة كتبوا المسرحيات وصنفوا الكتب باللغة اللاتينية فأن طابع التفكير البربري ظل بارزا في إنتاجهم (فابوليوس) المؤلف القصصي له طابعه الخاص (وفلوروس) المؤرخ الكبير له فلسفة في التاريخ وخاصة فيما يتعلق ببلاده.

وما كادت ستة قرون تنصرم على الاستعمار الروماني حتى شعر الرومان بخيبة استعمارهم لأن اللغة الفينيقية لم تمت وإنما بقيت لسان الشعب يرتل بها أناشيده الكنسية ويعبر بلغته القومية في ثورته ضد الاستعمار الروماني، فكان الانتصار للفينيفية البونيكية والانهزام للرومانية المتغطرسة .. وبانتهاء حكم الرومان يتعرف المغرب على حضارة جديدة أو بعبارة أدق على لون باهت من الحضارة التي كانت تنسب للونداليين فقد وصلت جحافل جنود جنصريق بعد أن مهد له الكونت يونيفاص الطريق ليستولي على إفريقيا الرومانية وقد شيد هذا القائد الروماني مملكته على أنقاض المملكة الرومانية في إفريقيا وضرب النقود باسمه ونظم المحاكم على غرار ما فعل الرومان من قبله وشجع المذهب المنتمي إلى (اريوس) وبنى له المعابد، ظهر أدباء باللغة الوندالية منهم الأمير جاليما Jelimer الذي نظم مرتبات في الدولة الوندالية.

ولكن البربر لم يستفيدوا من الوندال شيئا، لأن الوندال كانوا أقرب إلى الوحشية منهم إلى الحضارة، فلذلك لم يفيدوا ولم يستفيدوا.

وإذا كان البربر قد استفادوا شيئا من الوندال فهو تجربتهم لصمودهم واختبارهم لبلائهم في الدفاع عن أرضهم والتمسك بقوميتهم.

ولا أشك أن تكون تبقت هناك رواسب لغوية قليلة جدا في اللغة البربرية، وأقول قليلة لأن الوندال لم يتمكنوا من التوغل في البلاد، ولم تطل إقامتهم بها ولم يطل عهد الوندال فقد دخلت بيزنطة في حروب طويلة ضدها وأعان البربر الجنرال باليزار Belisair على احتلال قرطاجنة ومطاردة الوندال، والذي يهمنا هو الأثر الذي خلفه البزانطيون (5) في بلاد البربر، والطابع الخاص الذي طبعوا به هذا الشعب العظيم، لقد غير البزنطيون نظام تقسيم البلاد، فجعلوها سبع مناطق على كل منطقة عامل يصل إلى هذه الوظيفة عن طريق الارتشاء، وكانت هذه هي النكبة الأولى التي حلت بالاقتصاد المغربي إذ تنافس القواد في شراء هذا الوظيف السامي واستثمروه عن طريق الضرائب والإتاوات حتى أثقلوا كاهل الشعب وأفقروه على أن هؤلاء الرؤساء استخدموا العمال في بناء الحصون وتشييد القلاع لحماية البزنطيين من هجوم السكان الثائرين ولحراسة الموانئ والمرافئ لحماية تجارتهم حيث كانوا مستعمرين تجاريين كالفينيقيين من قبل وكذلك شيدوا الكنائس ذات شكل بيزنطي لطيف كان العمال هم بناتها ومشيدوها.

غير أن البربر شاهدوا أزمات متوالية نظرا لسوء الإدارة والانتفاضة البربرية ضد الحكم الأجنبي، ولولا أن جان تروجيلطة Jean Troglita ثبت إقدام البزنطيين لعصف بهم البربر.

وأما التأثير الروماني من الناحية الدينية، فقد وهنت سلطة الكنيسة، وذلك لأن البزنطيين انقسموا شيعا دينية وحاربوا الدوناتزم كما حاربوا الديانة اليهودية، فضعفت سلطة الدين.

وعرفت إفريقيا البزنطية حركة أدبية وعلمية ومدارس متعددة، وقد برز في عصرهم الشاعر الإفريقي كوريبوس Corripus صاحب منظومة La Johamide ( اليوحانية) نسبة إلى ممدوحة جان ترويسلطة وهي ملحمة تاريخية مهمة جدا.

وأما الفن المعماري فهو ما يزال مائلا في آثار سفيطلة Seffetula وفي الكنائس الفخمة وفي الحصون المنيعة والذي لا شك فيه أن أجدادنا البرابرة تأثروا بهذه الفنون والآداب إلى حد ما ولكن استمرار الثورات والقلاقل عفى على هذه الآثار.

ولم يكن المغرب بمعزل عن التيارات الفكرية في بلاد المشرق، فقد تعرف إليها في مناسبات عديدة تعرفوا بها عند ما ظهر الإسلام في جزيرة العرب، وأخرج الخليفة عمر يهود خيبر عن الجزيرة فقصد معظمهم

(5) البزنطيون هم المعروفون بالامبراطورية الرومانية الشرقية أو الأمبراطورية البزنطية أو دولة الروم كما يسميهم القرءان الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت