فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
القرون؛ منذ عرف المغرب الإسلام في القرن الأول الهجري إلى أن أدركنا نحن ذلك في أوائل القرن الرابع عشر.
أمس كانت الحضارة الشرقية هي المعروفة وحدها عندنا بأذواقها وآدابها وألوانها وهدوئها واتساع ساحتها. وهي التي استطاعت أن تلتهم حضارة فارس وبيزانطة. ثم تبلورت في دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان وقرطبة. ثم كان مغربنا هذا ممن له من إرث هذه الحضارة كنوز كاد يحافظ عليها وحده منذ أن انهارت الأندلس. واستولى التركيون على الشرق الأدنى كله ما عدا هذا القطر السعيد. الذي لم يعرف مقدار كنوزه هذه ويعتز بكل ما فيها من ألوان وأفكار وفلسفة وعلوم وآداب ومعمار.
أمس كانت عندنا تقاليد محترمة في اللباس وفي اختيار التأثيث وفي هيأة الجلوس وفي إقامة الحفلات وفي مزاولة الأعمال. فتكونت لنا هيأة اجتماعية توافقنا لأنها كانت متسلسلة عن الأجداد. لا يحس فيها بأنها تتغير في كل جيل، وإن كانت في الحقيقة لا بد أن يكون فيها تغير ما في كل جيل -فكانت لها موازين خاصة مألوفة. إليها يتحاكم ذوو الأذواق والأفكار عند الاختلاف. فيتخذ حكمها مسمطا. وقانونها مرتكز في أعماق النفوس لا مسطر في الطروس. تلاءمت فيه مقتضيات حياتنا وديننا وعادات مجتمعنا تلاؤما تاما. دين العربية ولغة الدين. وعادات تكونت تحت نظرهما في قطر امتزج فيه العرب والبربر تمازج الماء القراح بالراح.
هكذا كنا أمس نعيش عيشة راضية نقر بها عينا ونرضى عنها كل الرضا لا نرى بها بديلا. بل لا نظن أن هناك من يحيا حياة طيبة مثل حياتنا التي نحياها في أمسنا الحلو اللذيذ؛ يوم كنا في عزلة عن العالم. في قطرنا هذا المحاط من جميع جهاته بسدود طبيعية. فمن الجنوب بالصحراء الكبرى، ومن الغرب والشمال بالبحر الواسع الذي لا نكاد نملك فيه ولو سفينة واحدة لركوبه. ومن الشرق بالجزائر التي سدت أيضا دوننا منذ أن استعمرها الفرنسيون من عقود من السنين. فهذا هو محيطنا الذي لا نعرف سواه قد ألفناه وسعدنا فيه سعادة من ينشأ في محل خاص في عمره كله. فلا يتصور أن هناك حياة أخرى غير ما هو فيه.
اليوم
وفي هذا اليوم دهم علينا الاستعمار بخليه ورجله. بلونه وفكره. بسياسته ومكره. بحضارته المشعة. بعلومه الحيوية المادية. بنظامه العجيب؛ بمعامله المنتجة السريعة؛ بكل شيء يمت إلى الحياة الواقعية. فوقع لنا كما وقع لأصحاب الكهف يوم رجعوا إلى الحياة، فوجدوا كل ما يعرفونه قد تغير تغيرا تاما. وحين كان المغرب لقنا حاذقا سريع التطور. مندفعا إلى كل ما يروقه. أقبل بنهم شديد على التهام كل ما في هذه الحضارة الغربية العجيبة. التي تغير على جميع نواحي الحياة. فتحدث من التغيير ما يجرف التقاليد والأفكار وكل ما يمت إلى العادات. فإذا بالمغرب يتحول في عهد قصير إلى مغرب آخر يغاير كل ما كان معروفا منه في الأمس. فإذا بأمثالنا نحن الذين كنا نعيش في شرخ شبابنا في المغرب المستقل قبل سنة 1330 هـ. قد كدنا نكون غرباء في طور شيخوختنا في المغرب المستقل من جديد 1375هـ. فقد حرصنا أن لا ننكر إلا ما يستحق أن ينكر. وأن نحمد كل ما يمكن أن يحمد واجتهدنا أن نساير العصر. وأن نتفهمه فلا ننكر أخذ ما لا بد من أخذه من أساليب الحضارة ونظمها وعلومها -لأن الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها- ولكننا مع ذلك نشاهد إسرافا في التحول السريع الذي لم يراع فيه -حسب أنظارنا نحن المسنين - حكمة ما بين التفريط والإفراط؛ فنحاول أن نجمع بين محاسن أمس واليوم. ناصبين ميزان القسط. فإذا بنا نكاد نعيش الآن على هامش الحياة العادية التي اندفع إليها هؤلاء الذين يملكون ناصية الحياة الاجتماعية بعد الاستقلال. وأعظم ما نهتم له شيئان: أحدهما التفريط في المثل العليا التي لا ترسخ في الشعوب إلا بعد جهود قرون؛ ومتى اجتثت من أي شعب بمثل هذه الاندفاعات العمياء فإن أبناء ذلك الشعب سرعان ما ينحرفون عن الصراط المستقيم في الحياة. وثانيهما التفريط في المحافظة على اللغة العربية وآدابها التي هي شعار المغرب وكنزه الموروث المحافظ عليه كلغة رسمية حتى يوم عممت تركيا لغتها في جميع أنحاء بلاد العرب منذ أوائل القرن العاشر الهجري. وليت شعري لماذا كنا نحرص على الاستقلال إن لم تكن أهدافنا المحافظة على مثلنا العليا المجموعة في أسس ديننا الحنيف؟ والمحافظة على هذه اللغة التي استمات المغاربة كلهم عربهم وبربرهم في جعلها هي اللغة الوحيدة في البلاد.