فهرس الكتاب

الصفحة 289 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص12

والأفراد لا ينالون ما ينالون إلا مكافأة على ما يقومون به من الخدمات لمصالح المجتمع المشتركة ... إن المجتمع يهيئ لهم مرافق الحياة، وهم يقومون بأعمالهم مقابلها، هذه النظرية تنظم الاقتصاد بأسلوب يختلف عن أسلوب النظام الرأسمالي اختلاقا أساسيا. وهذا النظام الاقتصادي لا وجود فيه للملكية الشخصية فضلا عن أن يكون لأحد متسع أن يجمع المال، ثم يوظفه بنفسه فيما شاء من وجوه الإنتاج والاستثمار. وهذا الاختلاف بين النظامين الرأسمالي والشيوعي في النظرية والمبادئ قد أحدث اختلافا في مناهجهما. فلا يمكن أن يستمر دولاب النظام الرأسمالي في عمله دون المصارف وشركات التأمين وشركات المساهمة وما إليها من الدوائر المالية ولا حاجة إليها، وعلى قدر ما يلائم الربا فطرة النظام الرأسمالي تشمئز منه طبيعة النظام الشيوعي، فإن الشيوعية تستأصل شأفة ذلك الشيء الذي يكون أساسا للمراباة، ولا تستسيغ مبادئها الربا في أي شكل من الأشكال، وبأي وجه من الوجوه. والذي يؤمن بهذه المبادئ لا يمكن أبدا أن يكون شيوعيا ويتعاطى الربا في الوقت نفسه.

فالرأسمالية والشيوعية على طرفي نقيض: إن الرأسمالية، وإن كانت تمنح الأفراد حريتهم الشخصية وحقوقهم الفطرية، ليس في مبادئها ونظرياتها شيء يبعث الأفراد على القيام بخدمة مصالح المجتمع المشتركة، ويجبرهم على ذلك عند الحاجة إجبارا، بل هي تنشئ فيهم عقلية تحبب إليهم ذواتهم وتحملهم على محاربة مصالح المجتمع في سبيل مصالحهم الشخصية، حتى يختل التوازن في توزيع الثراء بين الأفراد فترى في جانب أقلية ضئيلة ممن أسعدهم الحظ قد أصبحوا من أصحاب الملايين بوضع أيديهم على موارد ثروة الجماعة كلها، وهم لا يزالون يسعون في ضم ما تبقى من ثروتها إلى أنفسهم بفضل ما تمدهم به أموالهم الطائلة وثراوتهم المدخرة من قوة. وبالجانب الآخر ترى الجمهور وعامة أفراد المجتمع لا تنفك حالتهم الاقتصادية تضمحل يوما فيوما حتى لا يبقى لهم من نصيب في توزيع الثروة إلا قليلا. ولا ريب أن أموال المتمولين الوافرة كثيرا ما تحدث بمظاهرها الخلابة الفاتنة تألقا في مضمار التمدن والحضارة يعجب الأنظار ويأخذ بالألباب في بدء الأمر، ولكنه لا يكون من عاقبة توزيع الثروة غير المتزن إلا أن ينقطع الدم عن الدوران في جسم العالم الاقتصادي، فتموت بعض أعضائه لقلة الدم، ويفسد بعضها باجتماع الدم وكثرته فيها.

تريد الشيوعية أن تعالج هذه المفسدة، ولكنها تختار لغاية صحيحة طريقا ليس من الصحة في شيء. غايتها أن تقيم القسط والتوازن في توزيع الثروة - ولا ريب أن هذا غاية صحيحة- ولكنها تختار لهذا الغرض طريقا ليس في حقيقة الأمر إلا محاربة للفطرة الإنسانية، فحرمان الأفراد من الملكية الشخصية، وجعلهم خداما عاملين للمجتمع لا يتوقف ضرره عند القضاء على الاقتصاد فحسب، بل هو مبيد -على نطاق أوسع- لحياة الإنسان المدنية قاطبة، فإنه يزهق في شؤون الإنسان الاقتصادية وأوضاعه المدنية روحها وقوتها الحقيقية الباعثة على الجد والاجتهاد: وذلك أن الذي يبعث الفرد على استنفاد قوته في السعي والجد في مضمار التمدن والاقتصاد، إن هو في الحقيقة إلا مصلحته الشخصية. إن هذه أثروة فطرية أودعها الإنسان، وما في وسع فلسفة من الفلسفات أن تنزعها من سويداء قلبه وأعماق فكره.

وبصرف النظر عن الشذاذ نجد أنه لا يبذل، ولا يستطيع أن يبذل، رجل من عامة الرجال قواه القلبية والفكرية واليدوية كلها إلا في عمل يجد من نفسه ميلا إليه، ورغبة فيه لمصلحته الذاتية، أو يرى أنه سيعود على نفسه أو مصالحه بشيء من النفع، فإن فقد من نفسه هذه الرغبة وعلم أنه مهما استنفد من جهود، فلن يحصل على شيء فوق ما حدد له من المنافع والفوائد، اضمحلت قواه الفكرية والعملية، ولم يشتغل بعمله إلا كما يشتغل الأجير الذي لا تكون رغبته في العمل إلا بقدر ما يعين له من الجعالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت