فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س 1، ع8/ يبراير 1958 ص13
هذه وجهة النظام الشيوعي النظرية، أما وجهته العملية فهي أن يضع السيف في الأفراد المتمولين، ويبرز إلى حيز الوجود متمولا هو (الحكومة الشيوعية) . وهذا المتمول العظيم ليس لديه أقل من المشاعر الإنسانية الرقيقة مما يكون عند الأفراد المتمولين.
فهو يستخدم الأفراد كالآلات الميكانيكية الصماء، ويوزع بينهم أسباب معيشة بغاية من القسر والاستبداد، لا رأفة عنده ولا مساواة ولا تقدير: يستخدم الأفراد كما يستخدم الآلات ويسلبهم حريتهم في الفكر والرأي والعمل، فبدون هذا الاستبداد الجائر لا يمكن للنظام الشيوعي أن يقوم أو يظل قائما أبدا، فإن الأفراد تحثهم فطرتهم على الخروج على مثل هذا النظام، فلولا ما يرزحون تحته الآن من الإطار الحديدي الشديد الدائم لأتوا على النظام الشيوعي وقواعده بين عشية وضحاها، وهذا ما جعل الحكومة الشيوعية الروسية اليوم أكثر الحكومات في الأرض جورا واستبدادا، قد بطشت برعيتها بطشا شديدا لا يوجد له مثيل في حكومة شخصية أو جمهورية أخرى في الأرض، وما ذلك إلا لأن النظام الشيوعي، بفطرته، يستدعي ويتطلب دكتاتورا من أشد الدكتاتوريين وأكثرهم قهرا.
نظام الإسلام:
أما الإسلام فيقيم بين هذين النظامين الاقتصاديين نظاما معتدلا، أصل ما فيه من الأصول والمبادئ أن يعطى الشخص حقوقه الفطرية والشخصية -كلها- بطريق لا يختل به التوازن في توزيع الثروة، فهو في جانب يمنح الفرد حقه في الملكية الشخصية وحقه في التصرف في ماله، وفي الجانب الآخر يقيد كل حق من هذه الحقوق وكل تصرف من هذه التصرفات بقيود خلقية من داخله وقيود قانونية من خارجه، يقصد من ورائها ألا تجتمع موارد الثروة في موضع من المواضع بصورة هائلة، بل تبقى تتبادل وتتداول بين مختلف الأفراد والآحاد، بل حتى ينال كل واحد منهم نصيبه المشروع المناسب، فلهذا الغرض قد نظم الإسلام اقتصاده على أسلوب مبتكر يختلف عن أسلوبي النظامين الرأسمالي والشيوعي من حيث الروح والمبدأ ومنهاج العمل.
فنظرية الإسلام الاقتصادية، بكلمات مختصرة، هي أن الرابطة بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية وثيقة من حيث فطرتهما، فمن الواجب أن تكون بينهما الموافقة والمعاونة، لا المزاحمة والمصارعة، فإن كان الفرد يجلب إلى نفسه ثروة الجماعة، غير آبه لما يخالف المصلحة العامة، ولا مراع عند ادخارها وإنفاقها إلا مصلحته الذاتية، فإن ضرره لا يقع على الجماعة فحسب، بل لا بد أن تعود مضاره ومغباته في آخر الأمر على نفسه أيضا. وكذلك إن كان نظام الجماعة مضيعا لمصلحة الأفراد في سبيل المصلحة العامة، فإن مضاره لا تقتصر على الأفراد وحدهم، بل تعود على الجماعة أيضا في آخر الأمر؛ ففي رفاهة الأفراد رفاهة الجماعة، وفي رفاهة الجماعة رفاهة الأفراد، ورفاهة الأفراد والجماعة معا هي أن يكون بين (أثرة) الأفراد و (إيثارهم) تناسب متزن سليم: يجتهد الفرد لمصلحته الذاتية من غير أن يضار غيره من جراء اجتهاده هذا، ويكسب كل ما يقدر على كسبه بشرط أن يكون فيما يكسب حق لغيره، وهو ينفع الآخرين وينتفع بهم، ولا يكفي للمحافظة على توزيع المنافع وتداول الثروة أن ينشأ في طباع الأفراد طائفة من الأوصاف الخلقية فقط، بل لا بد لذلك في الوقت نفسه أن يكون نظام الجماعة منظما طرق اكتساب المال واستهلاكه تنظيما صحيحا، لا يحل فيه أن يكسب الفرد ثروته بطرق تلحق الضرر بغيره، أو تبقي الثروة المكتسبة بالطرق المشروعة متجمعة في موضع من المواضع، بل لابد من تداولها بين مختلف الأفراد.
إن النظام الاقتصادي الذي أقيم بناؤه على هذه النظرية، ليس من غايته أن يتمول بعض أفراد المجتمع تمولا فاحشا ويبقى أكثرهم مفتقرين، ولا أن [لا] يتمول منهم أحد ويستوي الجميع قسرا وقهرا على رغم ما فطروا عليه من التفاوت، بل غايته بين هذا الإفراط وذاك التفريط أن يستوفي الحاجات الاقتصادية لأفراد الجماعة أجمعين. والحق أنه إذ اقتنع كل فرد باكتساب المال في ضمن حدوده الفطرية، وبدون أن يلحق بغيره شيئا من الضرر، ثم راعى الاقتصاد والتكافل في إنفاقه، لا يمكن أن يتفشى في المجتمع ذلك الاختلال الاقتصادي الذي يوجد اليوم في نظام الرأسمالية.، وذلك أن هذا النظام، وإن كان لا يمنع أحدا أن يتومل ويكون من أصحاب الملايين، ولكن من المستحيل فيه أن تكون ثروة رجل متمول من أصحاب الملايين نتيجة لعوز ألوف من أبناء جنسه وجوعهم، وبالجانب الآخر، وإن كان يريد هذا النظام أن ينال كل فرد من أفراد المجتمع نصيبه مما خلق الله في أرضه من موارد العيش، لكن لا يستطيع أن يفرض عليه قيودا متصنعة تحول دون سعيه لاكتساب المال حسب ما أوتي من القوة والكفاءة.
وبعد هذا الاستعراض الوجيز الجامع للنظم الاقتصادية الثلاثة المذكورة، نتكلم عن الأسباب التي أوجدت النظريات الاجتماعية والاقتصادية التي توجد اليوم في الغرب، والتي أعجب بها ويتطلع إلى الاقتباس منها كثير من رجالنا المتفرنجين، وكذلك نريد بعد ما نذكر ارتقاء هذه النظريات التاريخي ونتائجها التي انتهت إليها أخيرا أن نفصل القول في نظام الإسلام الاقتصادي، ليعلم القارئ ويقضي في نفسه، على بينة، أي نظام من هذه النظم الثلاثة يضمن للنوع البشري سعادته.