فهرس الكتاب

الصفحة 2891 من 5287

للآخر، تجنى لهمامها وحارثها، وصور من عز الملك تجلى، وسور من مكارم الأوبة تتلى، وشمائل من باني البيت إسماعيل تجلت في محمد.

تلك هي الجمل التي شرحها عيد العرش المغربي فأبان، ورفع أحاديثها مسندة إلى إبان، وفرع بها الشماريخ الباذخة من أبان.

والعرش المغربي، همك من عرش، زرت أزراره على إدريس في الأولين، وعلى الأباة بني علي في الآخرين، فرست رواسيه في طينة الشرف الأرفع وبسقت أفنانه في جوه الصافي الأنصع، وأوطأ متونه، ذوائب لمتونة، ومد تمتانه، على واحد هنتانه، وارث الأرين، بمساعير مرين .. همك من عرش مد ظلاله على المغراب أحقابا، وحط رحاله على عتبات برقة مرات ..

فإذا شاركنا إخواننا في البشرى بعيده، فإنما نفي بعهد قل الأوفياء به، وننعم بخيال طاف طائفه بنفوس مترقبة لمسراه، متعرفة لمجراه، وما زال الطيف كالضيف، محببا إلى الكرام، مبغضا للئام.

ومن حكم الله في هذا العرش أنه لم يزل حارسا للغة الضاد، من الأضداد، حاميا للدين، من المعتدين، ولم تزل في مقتعديه أمثال مضروبة، في النضج عن الإسلام والعروبة، اختلفت بهم الأنساب، بين يعرب ومازيغ، ولم تختلف بهم الأسباب في رعاية العلم وتقدير البيان، فكم ولدت دولهم من أعلام في الأدب والبيان ونوابغ في الفقه والتشريع، وأساطين في الفلسفة والحكمة، وإثبات في التاريخ والخبر ..

وما زلنا ننكر على المسلمين في زمننا هذا إقامتهم لهذه الاحتفالات، ونعدها عليهم من باب المجانة واللهو، ونقول أن معظمها محاكاة لا تأتي بفائدة، وتقليد للأقوياء لا يعود بعائدة، وإنها تتنافى مع الجد والشهامة، وتلهي عن الواقع والواجب، وأن الأليق الأشبه بنا عقد مناحات نندب فيها الجدود العاثرة، والأشلاء المتناثرة، ولكننا حين نصل إلى هذا النوع الذي ينبه ويوقظ، ويحرك الذكرى ويدعو إلى التأسي بالعاملين، نسلم أنها دروس تلقى على الجاهلين، ونؤمن بأنها تاريخ يحيى، وأجيال تنشر، وأعمال تبعثن وما أحوج الأمم الغافلة النازلة بالسافلة، المنقطعة عن القافلة، المشغولة عن الفرض بالنافلة، إلى أمثال هذه الدروس الحافلة.

أيها الإخوان بالمغرب الأقصى، نحييكم على بعد الدار، وحيلولة الجدار، ومعاكسة الأقدار -تحية ود، لا تقابل بالرد، ونهنئكم بهذا العيد السعيد، تهنئة الغريق لمن بالساحل، والمبعد لمن طويت له المراحل. وندعو للجالس على العرش بالتأييد من ذي العرش، ونتمنى لكم - كما تتمنون لنا- سعادة يطرز حواشيها النعيم، وسيادة تدفع إلى حرم العز من ثنية التنعيم.

إننا لمسنا من السنان صفحته، وشممنا من الريحان نفحته، فتعاطفت الأرحام، وتداعت وشائج القربى إلى الالتحام، وهزتنا الأريحية، إلى هذا النزر القليل من التحية، تحملها عنا إليكم ريح الصبا كلما هبت، وبرد الصحائف كلما خبت، فاعذرونا فإننا لا نبلغ في هذا المقام -وإن أطلنا- القلامة من أصبع، والدقيقة من أسبوع والقطرة من ينبوع.

أيها الإخوان، إن العروش لا تثبت ما لم تكن رواسيها القلوب والمهج، فكونوا دون العرش صفا، وجمعا ملتفا، وساعدا وكفا، ودفعا للباغي وكفا، وذودوا عنه كل مريب، والقريب منهم قبل الغريب.

(عن صحيفة «البصائر» عدد 58 في 29/ 11/48)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت