فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
صلاة في صوت خافت قد منعاني أن أسمع ما قالت .. لا شك في أنها تكلمت .. قد ذهبت إلى هناك .. قد تكلمت .. بأية لغة تكلمت؟ لا أدري! إنها لغة أجنبية.
ورجع إلى التجوال ثانية عدة مرات باحثا عنها، حينا يعتقد أنه سيراها، وحينا يفكر أنه سيسمعها متأملا الأغصان التي اختفت خلالها، متخيلا أنه يستطيع أن يميز آثار أقدامها الخفيفة فوق الرمل .. وأنه قد استنشق عطرا خاصا في فترات متقطعة هو عطر تلك المرأة التي سخرت منه، وكان يجد لذة في هربه بين تلك الأشجار .. ولكن بلا جدوى .. ولقد ظل يتسكع بضع ساعات من مكان إلى آخر .. وهو ذاهل عن نفسه، وكان يتوقف متسمعا أو يزحف فوق الحشائش في هدوء وحذر كبيرين .. هي جولة لذيذة ولكنها بائسة دائما يرى مصعدا بين الحدائق التي لا تحصى .. تلك الحدائق التي كانت بمثابة حاشية للنهر وفي النهاية وصل إلى مقبرة «سان ساتوريو» المنعزلة.
وذات مرة وهو يثب من صخرة إلى صخرة معتمدا على عصاه تمتم قائلا: من هذا المرتفع سأستطيع متابعة بحثي عبر تلك الطرقات الغامضة .. ثم تسلق القمة حيث استطاع أن يكشف ببصره المدينة وما هو أبعد منها وما لبث أن كسر راجعا في طريق متعرج مظلم.
ومرة أخرى كان فوق مكان عال من الصخور فأرسل بصره وأنعم النظر فيما حوله، وثبت عينيه عند نقطة لم يستطع عنها حولا .. كان ضوء القمر يسطع منعكسا صغيرا على المنارة التي وضعت قرب ضفة النهر كي تهتدي بها السفن، وقد رأى خلف المنارة زورقا صغيرا يتحرك مجدافاه في عنف متجه نحو الشاطئ الآخر للنهر، فاعتقد أنه ميز في الزورق شكلا أبيض .. إنها امرأة .. ومن غير شك المرأة التي سبق أن رآها من قبل، إنها امرأة أحلامه .. ثم انحدر من القمة في خفة الغزال وألقى بغطاء رأسه وبحذائه الطويل على الأرض وشرع يجري نحو القنطرة كأنه قذيفة منطلقة فكر أن يعبرها وأن يصل إلى المدينة قبل أن يصل الزورق إلى الضفة الأخرى .. إنه أحمق! وعندما وصل إلى مدخل المدينة ينهج تعبا، ويتصبب عرقا، كان ذاك الزورق قد عبر النهر من جهة «سان ساتورلو» ودخل من فيه المدينة من باب آخر يخترق السور المحيط بها وقد كان سور المدينة في ذلك الحي يصل إلى ما يجاور النهر.
ومع أن أمله كان ضعيفا في إدراك من كانوا في الزورق، وأنه لم يستطع أن يعرف أية دار من دور المدينة ستكون نزلا لهم، إلا أن فكرة دارت في رأسه جعلته ينخرط بين جماعات الناس ويتجه نحو حي «سان خوان» ليبدأ في التجوال بين طرقاته على غير هدى، وقد كانت طرقات المدينة ضيقة مظلمة، متعرجة يخيم عليها صمت عميق، صمت لا يقطعه إلا عواء كلاب يأتي من بعيد بين الفينة والفينة، أو صرير باب يغلق، أو صهيل فرس يتجاوب مع سلسلة من الصهيل تتصاعد من إسطبل ..
أما «مانريكي» فقد كان يسمع من طنين يسمع عادة في سكون الليل، يهيأ له أنه يسمع خطوات شخص ما .. خطوات تأتيه من منعطف طريق خال .. وأحيانا كان يخيل له أنه يسمع خلف ظهره أشخاصا يتحدثون بأصوات مبهمة، وأنه يتوقع أن يراهم إلى جانبه، هكذا قضى عدة ساعات يسعى على غير هدى .. وفي النهاية توقف عند باب دار قديمة مظلمة، وما كاد يقف حتى لمعت عيناه بانطباع من الفرح لا يكاد يوصف، فقد رأى من نافذة عليا للدار التي يمكن أن يسميها قصرا .. ضوءا هادئا يتراقص شعاعه فيخترق ستائر حريرية في لون الورد وينعكس على الدار المقابلة، فهمس فيما بينه وبين نفسه: هنا تنزل مجهولتي .. هنا تعيش .. ولم تبرح عيناه النافذة لقد دخلت المدينة من باب «سان ساتوريو» ولا بد أنها جاءت إلى هذا الحي .. ولا زال بعض الناس ساهرين .. أناس ساهرون ما عداها .. أناس يأتون من عملهم أو من جولاتهم الليلية، ويستطيعون قضاء الساعات الباقية من الليل هنا .. ليس ثم مزيد .. إنها دارها بإيمانه بفكرته هذه وبخياله الأحمق انتظر مطلع النهار أمام تلك النافذة التي لم ينطفئ ضوءها طيلة الليل، كما أن بصره لم يتحول عنها لحظة ما.
وعندما طلع النهار كان من السهل أن يرى الشعار الذي يميز صاحب الدار منقوشا على الحجر الذي يغلق الباب بواسطته .. الباب العام المؤدي إلى الدار .. تحركت الأبواب في ثقل محدثة صريرا لفترة ما .. وقد ظهر خادم يحمل في يده حزمة من المفاتيح تقدح عيناه بالشرر وهو يتثاءب فيبدو فمه وكأنه علبة الأسنان رؤيتها كفيلة بأن تبعث الغيرة في قلب تمساح ..