فهرس الكتاب

الصفحة 2907 من 5287

وما كاد «مانريكي» يراه حتى انطلق نحوه مسرعا وبدأ يسأله: من يعيش في هذه الدار؟ وما اسمها؟ من أين هي؟ لماذا جاءت إلى هذه المدينة؟ أهي متزوجة؟ أجب .. أجب يا حيوان! ثم لطمه بقوة .. وبعد أن نظر إليه الخادم فترة ما بعينين خائفتين بلهاوين أجابه في صوت متقطع بما فاجأه:

في هذا الدار يعيش السيد العظيم «السونسودي فالديكويس» الرائد الأكبر لمولانا الملك، وقد جرح في إحدى الحروب وهو هنا للاستدواء والاستجمام ..

فقاطعه «مانريكي» في قلق: ولكن ابنته .. أو أخته .. أو زوجته .. أو كائنة ما كانت؟ فأجابه الخادم: ليس معه أية امرأة. إذن فمن الذي ينام هناك؟ هناك في تلك الحجرة حيث رأيت الضوء طول الليل لم ينقطع؟ هناك؟؟ .. هناك ينام سيدي .. ولأنه مريض يترك الضوء حتى يطلع النهار .. فلو أن صاعقة نزلت على «مانريكي» لما سببت له ما سببته هذه الكلمات ..

يجب أن ألقاها .. يجب أن ألقاها .. وإذا لقيتها فأنا على يقين من أني سأعرفها بماذا؟ ذاك هو الذي لن أستطيع قوله .. ولكن .. يجب أن ألقاها .. صدى خطواتها أو كلمة واحدة من كلماتها أعود إلى سماعها من جديد .. أو جانب ثوبها أراه ثانية شيء من هذا يكفيني أن ألاحقها ..

في الليل والنهار تتراءى أمام ناظري طيات ثوبها الأبيض الناصع .. في الليل والنهار ينعكس في رأسي حفيف ثوبها .. وهمساتها الخافتة التي لا تفهم .. ماذا قالت؟ ماذا قالت آه .. لو أنني استطعت فهم ما قالت .. ربما .. ولكن من غير أن أعرف ما قالت سألقاها .. قلبي يحدثني بذلك، وقلبي لا يخدعني أبدا .. حقيقة أنني قد جلت كل طرقات المدينة بلا جدوى .. قضيت ليالي وليالي كأنني عمود مقام على ناصية الطريق، وأنفقت كثيرا من النقود الذهبية في سبيل كسب معرفة وخلق أحاديث مع ربات الدور والخدم فقد لقيت مرة سيدة عجوزا مدثرة بثوب صوفي من ذلك الذي يستعمله رجال الدين، فأعطيتها ما كان معي من ماء مقدس نظير ماركتها لي .. وعند خروجي من إحدى الكنائس ذات ليلة تابعت بحمق محفة يحملها خادمان ويبدو منها طرف ثوب نسائي أبيض معتقدا أنه طرف ثوب مجهولتي .. ولكن لا يهم .. يجب أن ألقاها .. وستفوز لذة لقائها على متاعب البحث عنها ..

كيف ستكون عيناها؟ يجب أن تكونا زرقاوين .. زرقاوين منعشتين كالسماء الصافية في الليل، إذ يعجبني كثيرا أن تكون الأعين في هذا اللون .. ستكون عيناها معبرة جدا .. وحيوية .. بلا شك زرقاوين يجب أن تكونا، وهما زرقاوان بالتأكيد .. وشعرها فاحم فاحم جدا وطويل قد استرسلت غدائره هنا وهناك يبدو لي أنني رأيته على هذا النحو تلك الليلة .. لست مخدوعا .. كان شعرها أسود .. وماذا تحس به عينان زرقاوان ناعستان؟ وخصائل من الشعر مطلقة فاحمة؟ وامرأة فارعة؟ لماذا؟ لأنها فعلا فارعة معتدلة القوام جذابة .. كأنها ملك من الملائكة .. صوتها! قد سمعته .. صوتها هادئ كأنه همس النسيم في أوراق الشجر، ومشيها، مشيتها رتيبة كأنها رجع الألحان الموسيقية .. هذه المرأة الجميلة كأجمل ما دار في أحلامي هي في ربيع العمر مثلي، تفكر كما أفكر .. ويعجبها ما يعجبني، وتكره ما أكره، إنها روح آدمية من روحي، إنها متممة لوجودي .. لست أدري أي شعور يجب أن يخامرها عندما تلقاني؟ سوف لا تحبني كما أحبها .. وكما أحبها فعلا بكل كياني وبكل قوى روحي .. هيا .. هيا إلى المكان الذي رأيتها فيه لأول مرة .. وهي المرأة الوحيدة .. من يعلم؟ لعلها مثلي مولعة بالوحدة والغموض ككل الأرواح الحالمة، لعلها محبة للتجول بين الأنقاض في هدوء الليل ..

مر شهران بعد الحوار الذي وقع بين «مانريكي» وبين خادم السيد (السونسودي فالديكوس) شهران شيد خلالهما «مانريكي» قصرا في الهواء ما لبثت الحقيقة أن ذهبت به في نفخة .. شهران قد بحث خلالهما عبثا عن تلك المجهولة، وكان حبه الموهوم خلالهما ينمو في روحه بفضل خياله الواهم حتى أصبح ضائعا في خيالاته وأوهامه.

كان الليل هادئا جميلا، والقمر يتلألأ في كبد السماء وقد بدأ في اكتماله، والنسيم يداعب أوراق الشجر فينبعث منها حفيف كأنه الهمسات الحلوة ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت