فهرس الكتاب

الصفحة 2968 من 5287

كما أن الجيش الفاتح، كاد يكون كله من البربر الذين بلغ عددهم اثنى عشر ألفا عند اجتيازهم إلى الأندلس لأول مرة، وتمكن طارق من فتح قرطبة ومالقة وغرناطة ومرسية وطليطلة على التوالي، وحصل على مائدة ثمينة من الزبرجد.

وإذا كان موسى بن نصير قد حسد طارقا على ما حصل عليه من فتوح وغنائم، حتى أن الأمر أدى به إلى اعتقاله، فإن هذا لم يحرك ساكنا، مع ما كان يتمتع به من نفوذ بين قومه، وقد قيل أن موسى كان قد أوصاه بعدم تجاوز قرطبة في فتوحه فلم يمتثل، وعلى أي، فقد كانت المعركة الحاسمة، في وادي البرباط بين جيش طارق وجيش لذريق سنة 92هـ وكان في رفقة طارق، جماعة من القواد المسلمين المشهورين كمغيث الرومي وعبد الملك المعافري.

والواقع أن موسى بن نصير قد أساء إلى طارق باعتقاله والتنكيل به، بيد أن عمله هذا ليس إلى حلقة من سلسلة المساوئ التي ارتكبها الولاة الأمويون ضد البربر في المغرب، وقد انتقلت هذه السياسة السيئة إلى الأندلس، بانتقالهم، خصوصا في أيام عبد الملك بن قطن الذي تولى سنة 123هـ وفي أيامه قدمت طالعة بلج بن بشر، فاشتد بهم العرب، وقاموا ينتقمون منهم في شذوذه حيث (لم يكن للعرب فيهم إلا نهضة واحدة، حتى أبادوهم، وأصابوا أمتعتهم ودوابهم، فاكتسى أصحاب بلج، وانتعشوا، وأصابوا المغانم) (1) .

مهما يكن من معاملة الأمويين للبربر، فإن هؤلاء قد أخلصوا للإسلام، وبفضلهم استمر الحكم الإسلامي في الأندلس ثمانية قرون.

3 -التأثير الحضاري: استغرقت الفترة الواقعة بين قدوم عقبة بن نافع إلى المغرب، وقيام الدولة الإدريسية، ما يناهز قرنا وربعا، فما هو مدى تأثير الحضارة العربية في بلاد البربر خلال هذه المدة؟ وماذا يمكن أن نعرف عن النظم الإدارية والمنشآت العمرانية والحركة الفكرية بالمغرب خلال هذه الفترة؟

إن المصادر المعروفة لحد الساعة، لا تفيدنا بشيء كثير عن آثار الفتح الإسلامي من الوجهة الحضارية، كان العرب لم يكن يعنيهم سوى أن يفتحوا هذا الجزء من العالم وأن يبسطوا سلطتهم على إخوانهم البربر، وكان المؤرخين لم يكن يهمهم سوى الجانب السياسي من التاريخ، بما فيه من فتن واضطراب ومساوئ، من غير أن يهتدوا إلى إيفاء الجانب الحضاري حقه من البسط والتوسع، ومع ذلك فإن القارئ الكريم يستطيع أن يجد معلومات متناثرة في مختلف الكتب التي عالجت تاريخ المغرب، وجادت على هذه النقطة الهامة ببضع جمل أو سطور.

لم تكن جيوش العرب الفاتحة كثيرة العدد، إذ لم تكن تتجاوز في الغالب 110000 رجل، معظمهم يظلون إلى جانب الوالي العام في القيروان، أو في المدن الكبيرة (2) ، ولذلك، فلم يتأثر الاقتصاد المغربي على ما يظهر، بقدوم العرب الأولين، ولكنه سوف يتضرر إلى حد الخطورة، حينما سيكتسح بنو هلال المغرب، وفي الغالب كانت الأندلس تابعة للقيروان، والمرجع أنه كان للأمويين عمال كثيرون في مختلف أقاليم المغرب العربي وسلطتهم لم تكن محددة، ولكن مهمتهم الأساسية جباية الزكاة والخراج، وكان الاتصال قليلا بمركز الخلافة نظرا لبعد المسافة وبطء وسائل المواصلات غير أن الولاة كانوا لا يبتون في الشؤون الهامة من غير استشارة الخليفة، فتوسيع مسجد القيروان في عهد حسان، وفتح الأندلس في عهد موسى بن نصير، من بين الأمور الهامة التي استدعت مثل هذه الاستشارة، وإلى جانب ذلك، كانت تقع سوابق خطيرة في شمال إفريقية أو في الأندلس فيقرها الخليفة، كعزل وال وتعيين آخر مكانه من لدن الأهالي.

ويعتبر عهد حسان بن النعمان من الوجهة السياسية والإدارية، أحسن حقبة مرت في تاريخ الفتح الإسلامي بالمغرب العربي، فقد عمل على تنظيم الشؤون الإدارية بإنشاء الدواوين وكتب الخراج على عجم شمال إفريقية (3) ، وكانت النقود تكتب بالعربية واللاتينية، وقد يشترك غير المسلمين من أهالي البلاد في شؤون الإدارة (4) ، وخلافا لما ذكره طيراس من أن

ابن عذاري: 2 ص7 (1)

ابن عذاري: 2 ص 43 (1)

طيراس: 1 ص 91 (2)

(3) ابن خلدون 6 ص 219 وابن عذاري 30.

(4) تاريخ تونس ص 104.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت