فهرس الكتاب

الصفحة 2970 من 5287

إدريس، أما أن تكون أقدم مدينة إسلامية بالمغرب، فذلك ما يدعو إلى الشك إذ نجد أنفسنا أمام مدينة أخرى قديمة هي «بليونش» ولا يستبعد أن يكون تأسيسها قد تم قبل بناء «نكور» وقد دعيت في البداية بمرسى موسى حيث نزل ابن نصير بأحد جبالها قبل العبور إلى الأندلس.

وفي سنة 140هـ بنيت مدينة سجلماسة قبل حلول الأدارسة بنحو ثلث قرن، وذلك في عهد عيسى ابن يزيد الأسود، أحد زعماء الخوارج الصفرية، وقد عمرها بربر مكناسة، وأصبحت مستقلة عن ولاة القيروان، وبنيت في البداية بدون سور، ولما تولاها اليسع بن سمغون المكناسي، أحاطها بسور أسفله من الحجارة وأعلاه بالطوب، وبنى بها عدة مصانع وقصور، ومن ملوكها محمد بن الفتح الذي دعا لبني العباس، ثم اعتصم بحصن تاسكرات القريب من سجلماسة بعد أن طارده القائد جوهر الصقلي، وقد انتهت دولة بني مدرار المكناسية سنة 360هـ واستمر عمران المدينة بعدهم إلى القرن العاشر الهجري، ومن المحتمل أن تكون سجلماسة أول مدينة بناها البربر بالمغرب منذ قيام الإسلام.

وأما إذا أردنا أن نعرف شيئا عن الحياة الفكرية بالمغرب في هذا العهد، فيكون ذلك أعسر شيء يمكن استنتاجه من خلال المصادر القديمة القليلة، والظاهر أن معظم العرب الذين دخلوا إلى المغرب كانوا أميين أو أشباه أميين، وكان بينهم عدد قليل من الصحابة والتابعين الآخذين بنصيب من علوم الدين الصحابة والتابعين الآخذين بنصيب من علوم الدين ويحدثنا ابن عذاري أنه لما تولى إسماعيل بن أبي المهاجر سنة 100 كان حريصا على دعاء البربر إلى الإسلام، حتى أسلم بقية البربر بإفريقية على يديه في دولة عمر بن عبد العزيز، وهو الذي علم أهل إفريقية الحلال والحرام، وبعث معه عمر عشرة من التابعين أهل علم وفضل كعبد الرحمن بن نافع وسعيد بن مسعود التجيبي.

وقد وصف ابن خلدون، سعيد بن واسول جد بني مدرار بأنه من مشاهير حملة العلم في هذه الدولة وأنه أدرك التابعين، وأخذ عن عكرمة مولى العباس، كما أخذ عنه من بربر مكناسة عالم آخر يدعى بنسمقو (1) .

على أن الحركة العلمية لم تكن واسعة النطاق قبل قيام الدولة الإدريسية، نظرا لأسباب عديدة منها أنه لم ينتقل إلى المغرب من علماء الشرق عدد كثير، ثم أن الاضطرابات السياسية حالت دون نمو هذه الحركة، بالإضافة إلى أن الدولة الأموية كانت قليلة التشجيع للعلم والعلماء مما لم يتسع معه مجال النشاط العلمي في عاصمتها فضلا عن البلاد التابعة لها.

ومن حيث المذاهب الدينية، كانت بلاد المغرب العربي فيما بين منتصف القرنين الأول والثاني تقتدي بآثار السلف الصالح، حتى إذا بسط العباسيون نفوذهم على الشمال الإفريقي، أصبح المذهب الحنفي واليسعي بسبب نفوذ الفاطميين، والمالكي الذي أصبحت له السيادة المطلقة منذ القرن الخامس.

ومهما يكن من شيء، فقد كان تأثير اللغة العربية من السيادة مع الزمن، حتى اتخذها البربر أنفسهم لغة رسمية في عهد المرابطين وقبلهم.

وقد شك بعض نقاد المؤرخين فيما إذا كان طارق قد ألقى خطبته المشهورة بالعربية في الأندلس، وأي غرابة في أن يتعلم طارق وغيره من البربر، اللغة العربية بعد دخول العرب إلى المغرب بنحو 40 سنة؟

والمشهور أن صالح بن طريف قد وضع لبربر برغواطة قرآنا حاول أن ينهج فيه سور القرآن الكريم وأسلوبه، وألزم البربر بحفظه، وكانت الصلوات تقام باللغة العربية في جميع المناطق التي امتد إليها الإسلام.

ومجمل القول أن أثر الفتح الإسلامي في ميدان التعريب، أصبح يتجلى في قيام نهضة فكرية طيبة أيام الأدارسة، وليس أحسن من التنويه بهذا الأثر، من شهادة وليام مارسي التي نقلها عنه «بوسكي» في كتيبه: (البربر) والتي يقول فيها:

قطعت بلاد البربر كل علاقة لها مع الغرب في القرن السابع، وذلك لترتبط بالشرق ارتباطا كليا لا رجوع فيه، ومن غير أن يحدث من أجل ذلك نزاع داخلي أو أزمة ضمير. وأن العرب سادات البلاد الجدد أمكنهم بعدئذ أن يتخلوا عن مزاولة السلطة المباشرة فاستطاعوا بذلك أن يسلموا البلاد إلى نفسها، ولكنهم طبعوها بطابع عربي لن يمحى أثره أبدا، فقد عربوا المغرب، حتى ليمكننا أن نعتبره اليوم في مجموعه تقريبا كناحية قاصية من مركز العروبة.

(1) ابن خلدون 6 ص 267

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت