فهرس الكتاب

الصفحة 2972 من 5287

اليهود من كل صوب فجاؤوه يلتمسون بركاته ورضاه أما مؤمنين أو فريسيين منافقين.

وتتالت أنباء السيد المسيح وكثر أنصاره خاصة بعد أن ظهرت معجزاته الخارقة في شفاء المرضى وإبصار العمي وإنقاذ الملاحين الذين نادوا باسمه والنوء يتخطفهم من كل صوب فإذا المسيح يسير على الماء كمن يمشي على الأرض فيامر الريح أن تهدأ أو الموج أن ينحسر واذا السفينة إلى هدوئها تعود فتتابع رحلتها إلى شاطئ الأمان (1) .

وبلغت معجزاته منتهاها عندما جاءته امرأة ترجوه أن يحيي أخاها (لازار) الذي مات منذ أربعة أيام ولا سند لها غيره، وإذا المسيح يلبي رغبتها فيحيي أخاها من بعد موته ويعيد الأمل لقلب المرأة المتوسلة المؤمنة به.

وتكاد الأناجيل الثلاثة تفرد ثلاثة أرباعها للتحدث عن هذه المعجزات التي تتشابه أحيانا تشابها مملا، وقد دفعت هذه الخوارق بالكثيرين إلى الإيمان بصاحبها مما أزعج الفريسيين فأخذوا يهتمون بخطر دعواه على دينهم الذي اعتقدوا فيه منذ عشرات السنين، وكان إلى جانب هؤلاء المنافقين فئة الكهنة والأحبار الذين خافوا على الدين الجديد أن يسلبهم المكانة التي حباهم بها الشعب الإسرائيلي.

هاتان الفئتان كانتا تواكبان فئة ثالثة هي فئة الأغنياء، فقد حث المسيح على نصرة الفقراء ووعدهم بالجزاء الأكبر في مملكة السماء «قال يسوع لتلاميذه الحق أقول لكم أنه يعسر أن يدخل غني إلى ملكوت السموات وأقول لكم أيضا أن دخول رجل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله» وبذلك ازدرى المسيح مالهم وجاههم الذي أعلاهم عن بقية الناس.

أخذ المسيح يجوب القرى كعادته ينشر رسالته في سماحة وحب، ويحاور الفريسيين في كل ماي يعرضون عليه بغية وصمه بالعجز، فأحبوا مرة-مثلا- أن يدمغوه بتهمة المس بأمن الدولة الحاكمة (الرومان) فجاء من يسأله: أتدفع الضريبة للدولة الحاكمة أم لا؟ فأجابه: ائتني بالذي تدفعون منه، فجاؤوه بقطعة نقدية قلبها وجها لظهر ثم ردها إليهم قائلا: (اعطوا ما لقيصر لقيصر واتركوا ما لله لله(3 ) ) . وجاؤوه مرة ثانية بامرأة زانية وهم يسوقونها إلى حيث ترجم بعد أن حكم عليها حسب الشريعة الموسوية، فسألوه إن كان رجمها واجبا؟ فرد عليهم بهدوء: من كان منكم بلا خطيئة فليقذفها بحجر.

كان السيد المسيح قد زار أورشليم مرات عديدة لكنه إذ أحس الخطر يحدق به غادرها إلى الخليل حيث دأب على التعبد رفقة الحواريين الأنصار، فلما أحس يدنو أجله -يقول الإنجيل- أسر إليهم بموته فلم يفهموه لأنه فوق إدراكهم.

وحين أقبل عيد الفصح اجتمع الإسرائليون في أورشليم كعادتهم لإقامة الزينة ومعالم البهجة والاحتفال فجاء من يقول للمسيح أن الجميع يتربصون به الدوائر ليوقعوه في تهمة مدبرة كي يتخلصوا منه فالتفت إلى أنصاره يرجوهم أن يذهبوا إلى أورشليم بدونه لكنه ما لبث أن تبعهم وهو موقن بخاتمة مطافه.

قال متى: « ... وقال لتلاميذه أنه بعد يومين يكون الفصح وابن الإنسان يصلب (4) » ثم قال: (فحينئذ اجتمع رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب في دار رئيس الكهنة الذي يدعى قيافا وتشاوروا لكي يمسكوا يسوع بمكر ويقتلوه ولكنهم قالوا ليس في العيد لئلا يكون شغب في الشعب(5) . ولما أطل المسيح على المدينة المحتفلة ناداها: (يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة أفراخها تحت جناحيها ولم ترتدي، هو ذا بيتكم يترك لكما خرابا(6 ) ) .

كان دخول المسيح أورشليم ليلة خميس مشحونا بالهلع والفزع فقد ضج الناس حين سمعوا بدخوله إلا أنهم لم يتبينوا مكانه لولا أن الشيطان زين لأحد أنصاره (وهو يهوذا) أن يشي بالنبي الكريم، وقبض على السيد المسيح وسيق إلى الحاكم قيافا ثم إلى المدعي العام بيلاتوس، وكان من عادة اليهود في عيد الفصح أن يطلقوا سراح أحد المسجونين، وأثناء القبض على المسيح كان بالسجن المجرم الخطير باراباس

(1) (3) (4) (5) (6) متى: ص 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت