فهرس الكتاب

الصفحة 2974 من 5287

الموسوية الراسخة، فلا غرو إذن أن يحارب كل من يريد أ، يحيد به عن دينهٍٍ. .ولم يكن السيد المسيح غير واحد من زمرة الأنبياء والمرسلين الذين قتلتهم تلك المدينة الظالمة: أورشليم.

الأسطورة عند الدكتور محمد كامل حسين

اعتمد كاتبنا العربي الكبير على الشخوص المعروفة بأسمائها في كتابه وهي: قيافا وبلاتوس ولازار ومريم المجدلية، لكنها شخوص تؤدي دورها بمفهوم جديد لم تتطرق له الكتب السالفة، ولئن كان المؤلف قد اقتصر على يوم الجمعة الحزينة التي صلب فيها السيد المسيح (1) ، فإن هذا لم يمنع المؤلف من الإحاطة بالأسطورة في تفاصيلها أثناء المناقشات المحتدة بين شخوص الكتاب.

تعالج قصة «قرية ظالمة» وهي تستغل أسطورة المسيح -مشكلة بالغة الأهمية هي: ضمير الفرد وضمير الجماعة، والمؤلف يعرض في كتابه للإنسانية جمعاء في اختلافاتها ونوازعها الفردية بتفكير حصيف عميق الإدراك، وليست «قرية ظالمة» قصة كاملة بالمفهوم الفني المتداول (وإنما هي فكرة تناقش في إطار من أشخاص وأمكنة، وانتخاب الأشخاص والأمكنة في مثل هذا النوع من القصص يرتكز عادة على أسطورة أو قصة أو واقعة تاريخية يحملها الكاتب طاقات من معنى ما يريد أن يحملها به وعلى هذا الاختيار يتوقف الكثير من نجاح العرض وقوة الإقناع(2) بل إن الأسطورة في «قرية ظالمة» ليست إلا نموذجا للخطايا الإنسانية المتكررة حتى الآن في الاستعمار والحروب.

وقد عرض الدكتور محمد كامل لمشكلة الضمير فاجلاها عند الفرد وعند الجماعة ثم حاول أن يضع حلا دائما لها في آخر الكتاب.

1)الضمير الفردي: ففي مطلع الكتاب يعرض المؤلف الأشخاص المسؤولين عن إدانة السيد المسيح وقد انفردوا بعد الحكم عليه إلى التفكير الهادئ البعيد عن عيون الجماعة فإذا الحيرة تتخطفهم والإدانة التي اتهموا بها المدعى عليه ليست منصفة كما رأوها بالأمس: فالمفتي مثلا وهو يناقش ابنه يقول: (إني لن أفتي بعد اليوم انهم أساءوا فهم فتواي ويريدون أن يقتلوا بها رجلا لا أرى ضميري يرضى عن قتله بل إننا نرى المفتي وقد انقلب إلى مكافح مدافع عن آراء المسيح بالتحليل العقلي الدقيق.

ولم يكن رجل الاتهام أقل حظا من البلبلة عندما ناقش زوجته ولكنه لم يذعن لحججها الدالة حتى في بساطتها بل إنه أبدى تماسكا مزيفا فسار إلى دار الندوة وقد (خيل إليه أن اطمئن وإن يكن في الواقع إنما أحاط نفسه بسياج من حججه القديمة حتى لا ينفذ إليها وخز الضمير وألم الشك) .

أما قيافا فقد اعترف بينه وبين نفسه أن الكثير من المبادئ الخلقية التي دعا إليها المسيح قويمة سامية كما لاحظ أن يسوغ (لم يؤذ أي فرد من بني إسرائيل ولن يؤذيه أي فرد منهم ولكنه يؤذي بني إسرائيل مجتمعة، وجماعتهم هي التي ستنتقم منه وأن كره كل واحد منهم أن ينتقم منه بنفسه) ثم أخذ يتأمل الاتهامات الجائزة التي سردها المدعي العام بالأمس فألقاها مغرضة متحاملة، وأخيرا خرج إلى الندوة وقد (عزم أن يلزم جانب الحيدة وأن يقر ما يتفق عليه أهل العلم وقادة الفكر من قومه وحسابه وحسابهم على الله) .

أما بيلاتوس فقد خلص من مناقشته الممتعة مع الفيلسوف اليوناني إلى أن الحق والباطل ليسا واضحين دائما لأن العقل يضل في متاهات الشك والملابسات وانتهى بيلاتوس إلى اليأس وكذا الفيلسوف نفسه (فقد أصابه ما أصاب بيلاتوس من اليأس) .

إلى هذه الفئة من المفكرين الملتمسين لتحاملهم الجائر عند محاكمة السيد المسيح كل معذرة ممكنة أو راكنين إلى اليأس والإقرار بالعجز، إلى هؤلاء نجد

(1) يعن المؤلف بصحة صلب المسيح كما جاء في الإنجيل كما أنه لم يثر ما جاء في القرءان الكريم من أنه لم يقتل ولم يصلب ولكن شبه لهم لأن هذه الفكرة لا تعد جوهرية في كتابه إذ المهم لديه أن يوم الجمعة الحزينة كان نهاية تبشير المسيح نفسه برسالته.

(2) سهير القلماوي: المجلة عدد 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت