فهرس الكتاب

الصفحة 307 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع 8 / يبراير 1958 ص30

شعرا ولا لغة، إلى أن يحذقوه حفظا ورسما. هذا إلى مجاوزتهم حد البلوغ إلى طور الشباب، ونتيجة لهذا كان طلبة المغرب أقوم من غيرهم على حفظ القرآن ورسمه.

أما أهل الأندلس فبالرغم من أنهم جعلوا القرآن أصلا في التعليم فإنهم لم يقتصروا عليه وحده، بل أضافوا إليه رواية الشعر والترسل والنحو وتحسين الخط، ولهذه المادة الأخيرة حصة أكثر من باقي المواد، لذلك كان التلميذ الأندلسي لا يكاد يشرف على طور الشباب حتى يكون قد تضلع نسبيا في اللغة والشعر، وبرز في الخط، وحصلت له رغبة في العلم على الجملة. ويعترف ابن خلدون بأن ذلك (فيه كفاية لمن أرشده الله تعالى واستعداد إذا وجد المعلم) .

وفي إفريقيا يجعلون القرآن أساس التعليم، لكنهم- كاهل الأندلس- يضيفون إليه مبادئ العلوم، بالرغم من أن حصص القرآن ورواياته كانت عندهم أكثر من غيرها، عكس أهل الأندلس الذين جعلوا الحصة الكبرى للخط، ولا يعدم تعليلا للشبه بين منهاجي أهل الأندلس وأهل إفريقيا، فهو كمؤرخ يعنى بتحليل حركة التاريخ وتعليلها، ويذكر لنا أن سبب ذلك الشبه، هو استقرار مشيخة الأندلس بتونس بعد تغلب الإسبان على الناحية الشرقية من الأندلس.

وعندما يريد أن يطلعنا على المنهاج بالمشرق، نفهم من كلامه أنه ليس مطلعا كل الإطلاعلكنه- على ما ينقل إليه- يذكر أنهم يخلطون في التعليم. (وعنايتهم بدراسة القرآن وصحف العلم وقوانينه في زمن الشبيبة) ومعلم الخط عندهم له اختصاص بذلك، أما الألواح فتكتب للأطفال بخط قاصر عن الإجادة.

نقده لهذه المناهج:

لم يكتف ابن خلدون بذكر المناهج، بل يأبى إلا أن يذكر في دقة ما ينتج عن كل منهاج من القصور، ودليله في ذلك التجربة والمشاهدة.

طلبة المغرب وإفريقيا، نظرا لاقتصار أولئك على دراسة القرآن وحده إلى طور الشباب، واعتناء هؤلاء به أكثر من غيره، ينشأون قاصرين عن ملكة اللسان، وعلة ذلك عنده (أن القرآن لا ينشأ عنه في الغالب ملكة، لما أن البشر مصروفون عن الإتيان بمثله، فهم مصروفون لذلك عن الاستعمال على أساليبه والإحتداء بها، وليس لهم ملكة في غير أساليبه، فلا يحصل لصاحبه ملكة في اللسان العربي وحظه الجمود في العبارات وقلة التصرف في الكلام) .

لكنه يذكر أن أهل إفريقيا ربما كانوا أحق في ذلك من أهل المغرب، لأنهم بالرغم من إعطائهم الحصة الكبرى لدراسة القرآن وعلوم الدين، يضيفون إليها مبادئ العلوم وقوانينها، ولذلك يقوون على شيء من التصرف، وإن كانوا يقتصرون فيه عن حد البلاغة.

هل نملك إلا أن نوافقه على هذا؟

إذا داخلنا شيء من الريب فيه، فلنطلب إلا أحد حفاظ القرآن ممن لم سبق له أن درس غيره، أن يحرر لنا رسالة أو موضوعا بسيطا، وستكون النتيجة حتما مصداقا لما ذهب إليه صاحبنا ابن خلدون.

أما الأندلسيون فلتفننهم في التعليم، واعتنائهم بدراسة الشعر والترسل منذ صباهم، فقد حصلت لهم ملكة مكنتهم من التفوق على غيرهم في اللغة العربية، لكنهم بجانب ذلك قصروا في علوم الدين.

وهذا هو الواقع، فلو أننا عقدنا مقارنه بين ما أنجبته الأندلس من أدباء وشعراء، وما أنجبه المغرب من هؤلاء لوجدنا أن الأندلس تفوق المغرب في هذا المضمار، ويصح لنا أن ندعي العكس فيما يخص العناية بالقرآن وعلوم الدين.

منهاج ابن العربي:

ثم يأبى إبن خلدون إلا أن يطلعنا على منهاج لأحد مفكري الأندلس، القاضي أبي بكر إبن العربي المعافري الإشبيلي (486 - 543ه) دفين فاس قرب (باب المحروق) ، وهو غير إبن عربي الحاتمي صاحب التآليف العديدة في التصوف والمتوفى حوالي القرن السابع الهجري، ومجمل هذا المنهاج:

1)تقديم تعليم العربية على سائر العلوم كما هو الشأن عند أهل الأندلس.

2)تعليم الحساب.

3)تعليم القرآن الكريم.

4)أصول الدين.

5)أصول الفقه.

6)الجدل.

7)الحديث وعلومه.

1 يعزى ذلك إلى أنه ألف مقدمته قبل أن يرحل إلى مصر، وكان ذلك سنة 779 هـ، بينما كان وصوله إلى القاهرة سنة 784 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت