فهرس الكتاب

الصفحة 308 من 5287

دعوة الحق، س 1، ع 8 / يبراير 1958 ص31

فبعد دراسة العربية، يكون بوسع المتعلم أن يدرك معاني القرآن، وينقل إلينا ابن خلدون صرخة استنكار أرسلها ابن العربي لتعليم الطفل القرآن وهو لا يقوى بعد على فهمه:

(ويا غفلة أهل بلادنا في أن يؤخذ الصبي بكتاب الله في أول أمره، يقرأ مالا يفهم وينصب في أمر غيره أهم عليه) .

ثم يذكر لنا أن ابن العربي نهى أن يخلط في التعليم علمان، إلا إذا كانت للمتعلم قابلية لذلك، وسنرى فيما بعد أنه يتحمس لهذه الفكرة ويدافع عنها، ولا يخفي إعجابه بمنهاج ابن العربي (وهو لعمري مذهب حسن) لكنه لا ينسى أن العوائد تحول دون تطبيقه، حيث تقتضي بتقديم دراسة القرآن للتبرك والثواب، ومخافة انقطاع المتعلم عن الدراسة فيفوته القرآن، ولو أن المؤكد كان عدم انقطاع المتعلم عن الدراسة، لكان مذهب القاضي (أولى ما أخذ به أهل المغرب والمشرق) على حد تعبير ابن خلدون.

ونحن وإن كنا نهتز إعجابا لرأي القاضي فيما يخص عدم الابتداء بدراسة القرآن، لأن الطفل يقرأ ويحفظ مالا يفهم - والتربية الحديثة نفسها تحارب ذلك وتعده خطرا على الطفل- إلا أننا لا نوافقه على الاقتصار على علم واحد، لأن فيه مجلبة للسأم والكلال إلى النفوس الغضة التي يجلبها التنويع والتشويق، والتجارب التربوية تفيدنا أن التلاميذ الذين خصصت لهم حصة في مادة ما، لم تفق نتائجهم نتائج آخرين خصصت لهم حصة أقل من الحصة السابقة، فلا عبرة في نظر التربية الحديثة بالكمية وامتداد الحصة، بل بالكيفية والأفاعيل المتنوعة.

ونتساءل بعد هذا، ماذا نستخلص من هذه المناهج التي عرضها علينا ابن خلدون غير غافل عن ذكر محاسن ومساوئ كل منها؟.

من المؤكد أننا نكون قد استنتجنا حقيقتين هامتين:

أولاهما: أن هدف التربية كان دينيا بالدرجة الأولى، وقد رأينا أن جميع المناهج السابقة كانت لا تخلو من عناية فائقة بدراسة القرآن وعلوم الدين، ولدينا دليل آخر، وهو التقسيم الذي عرف آنذاك للعلوم، فهناك علوم مقصودة بالذات كالشرعيات، ويندرج تحتها التفسير والفقه وعلم الكلام والطبيعيات و الإلهيات من الفلسفة. وعلوم آلية، وهي ما كانت وسيلة للعلوم المقصودة بالذات، كالعربية والحساب وغيرهما للشرعيات، وكالمنطق للفلسفة، فليست هذه إلا وسيلة استطاعوا بواسطتها التضلع في تلك.

وثانيهما: اهتمام علماء الإسلام بمشكلة التربية، واجتهادهم في البحث عن الطرق النافعة، وقد لا نعدم في كثير من آرائهم لمحات سيكولوجية.

ولا يفوتنا قبل أن ننهي الحديث عن المناهج، أن نشير إلا أن المنهاج ظل بالمغرب على ما كان عليه إلى وقت قريب، فالأطفال يبقون في الكتاتيب القرآنية إلى أن يحفظوا القرآن حفظا متقنا، ثم بعد ذلك يطلبون العلم في الكليات الدينية، ومن ثم كنا نجد حفاظ القرآن الكريم بالمغرب أكثر من غيرهم في أي قطر إسلامي آخر، وفي المنهاج الذي تتبعه مدارسنا الحديثة، لا نزال نجد حصة القرآن الكريم، تأخذ قسطا مهما حتى بالأقسام التحضيرية، الأمر الذي لا نخال وجوده في الأقطار الإسلامية الأخرى.

ومما يدعو إلى الغبطة، أن الرجال التعليم عندنا، لا يألون جهدا في شرح الآيات المقررة شرحا يتناسب ومستوى الأطفال وإدراكا تهم العقلية، ولن يداخلنا العجب في ذلك، مادمنا نعلم جيدا أن التعليم عندنا يسير على إحداث الأسس البيداغوجية ... والسيكولوجية.

ويتهيأ لنا بعد أن أخذنا صورة عن مختلف المناهج على عهد الرجل، أن نطلع على مختلف آرائه التربوية، والطريقة التي يجب إتباعها في التعليم حسبما يرى، وسوف نهتز لكثير من الآراء، ونشعر بغير قليل من الإعجاب لبعضها، مما يخيل إلى كثير أنها لم يكتب لها الظهور قيبل مفكري الغرب من المربين، أمثال (روسو) و (بستالوتزي) و (لوك) وغيرهم، ممن لا نحط من قيمتهم أو ننكر فضلهم على التربية، وسف لا نعدم آراء أخرى لا نملك أن نوافقه عليها، ولا أن نلومه أيضا، لأن لقانون التطور اليد الطولى في تصحيح كثير من الآراء والأوضاع التي اعتقد زمننا أنها ليست مما يتطرق إليه الفساد.

نقول هذا لأننا نعلم أن كثيرا من الآراء والأوضاع، أضحت مما لا يلتفت إليه، نتيجة نظريات مستجدة في البيولوجيا والسيكولوجيا وغيرهما، ولعل هذا القانون هو ما دعا أبن خلدون إلى أن يقول عند خاتمة مقدمته عن العلم الذي استنبطه (طبيعة العمران) أو (علم الاجتماع) بالتعبير الحديث:

(وقد استوفينا من مسائله ما حسبناه كفاية، ولعل من يأتي بعدنا ممن يؤيده الله بفكر صحيح وعلم مبين يغوص من مسائله على أكثر مما كتبنا) .

علم النفس ج 1 ص 45. تأليف حامد عبد القادر ومحمد عطية الأيراشي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت