فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س 1، ع 8 / يبراير 1958 ص32
إن كثير من آراء ابن خلدون في طريقهم التعليم نقف عليها في الفصل الثلاثين من المقدمة (في وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته) وحجر الزاوية عنده هو التدريج (شيئا فشيئا، وقليلا قليلا) حيث تلقى على المتعلم مسائل من كل باب من المادة المدروسة، هي مبادئ ذلك الباب بطريقة مجملة، مع التبسيط في الشرح ومراعاة (قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه) .
ولهذه العبارة دلالتها، فابن خلدون يقول هذا في القرن الرابع عشر، حيث كان الأطفال في أروبا يلبسون ثياب الرجال لأنهم يعتبرون رجالا صغارا، وابن خلدون يقول هذا والقسيس (أوجستين) في القرن الخامس عشر، يذهب إلى أن الطفل شرير بطبعه، لأنه ورث الخطيئة عن آدم، ولا يمكن ردعه إلا بالقوة والعنف، ومن ثم اعتمدت معاملة الأطفال على مبدأ هذا القسيس الذي كان يطبق بمنتهى الصرامة، إلى أن ظهر كتاب (أميل) لروسو، وما ظهر إلا في أواخر القرن الثامن عشر (1763) .
ومرحلة الإجمال التي ذكرها ابن خلدون، والتي يجب أن تراعى فيها قوة عقل الطفل واستعداده، تكون نتيجتها حصول ملكة في ذلك العلم وأن كانت (جزئية وضعيفة) ولا يحلو لنا هنا أن نناقش لفظة (ملكة) - وابن خلدون يذكرها في كثير من المواطن- ذلك لأن مذهب الملكات، ورأي علم النفس الحديث فيه، يحتاج إلى بحث مستقل، أرجو أن يظهر على صفحات هذه المجلة القيمة، وبعد المرحلة الأولى، تأتي مرحلة ثانية، (فيرفعه في التلقين عن تلك المرتبة إلى أعلى منها، ويستوفي الشرح والبيان ويخرج عن الإجمال .. ) ثم تأتي مرحلة الثالثة (ثم يرجع به وقد شد، فلا يترك عويصا ولا مبهما ولا مغلقا إلا وضحه وفتح له مقفلة) وهو يسمي هذه المراحل (تكرارات) (وهذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات) .
فما هي هذه التكرارات في عرفنا الحديث؟ لا أخالها إلا مرحلة الابتدائي، ثم الثانوي، ثم النهائي أو العالي، بغض النظر عن التصرف والزمان الملائمين لكل مرحلة، وبحسب المادة نفسها، نرى نظريته الآن تطبق بكل وضوح.
فالطفل بالقسم التحضيري يتعلم الجمع والطرح والضرب والقسمة بشيء من الاختصار، فإذا انتقل إلى الابتدائي الأول، عدنا إلى العمليات الأربع وتوسعنا فيها قليلا بزيادة الأعداد والأرقام، وفي الابتدائي الثاني نتوسع أكثر، ويمكننا أن نقدم القاعدة للتلاميذ، مثل ذلك نقول في غير الحساب من المواد.
ولا ينسى ابن خلدون، أن هناك من يتقدم في اقل من المراحل التي ذكرها، ولعله يشير بذلك إلى الفروق في الذكاء، وهي مما لا جدال فيه.
ثم نراه يندد بالمعلمين الذين يجهلون طرق التعليم حيث يقدمون للمتعلم مسائل مقفلة لا يقوى على إدراكها (ويخلطون عليه بما يلقون إليه من غايات الفنون في مبادئها وقبل أن يستعد لفهمها) .
وأذكر جيدا أنني كنت أحتار- وأنا صغير- في معنى (فاعل) (مفعول به) إلى غيرهما من الألغاز التي كنت أجهد فكري في إستكناهها، أما (الماضي) فكان يعني عندي (حاد) ما في ذلك من شك.
وابن خلدون لا يرسل الكلام على عواهنه، بل هو يدرك ما يقول، ويبهرنا بالأساس السيكولوجي لنظريته، وهو أساس لن يسع أحدا مهما علا كعبه في علم النفس أن ينقذه أو يجنح إلى نكرانه (فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجيا، ويكون المتعلم عاجزا عن الفهم بالجملة، إلا في الأقل، وعلى سبيل التقريب والإجمال، وبالأمثال الحسية، ثم لايزال الاستعداد فيه يتدرج قليلا قليلا بمخالفة مسائل ذلك الفن وتكرارها عليه، والانتقال من التقريب إلى الاستيعاب الذي فوقه حتى تنم الملكة في الاستعداد ثم في التحصيل) .
ومن الممتع أن نقف قليلا عند عبارة (الأمثال الحسية) أنها تعني أن تعليم الأحداث يرتكز على المسائل المحسوسة، ولا مجال فيه للمعقولات، وأن أول الإدراكات عندهم هو الإدراك الناشئ عن الحس، وحينما ترتقي أفكارهم وتقوي مدركاتهم الحسية يصلون إلى مرحلة الإدراك المعنوي أو التعقل.
وابن خلدون لا يكتفي بذكر الأساس السيكولوجي الذي تنبني عليه نظريته، بل يردفه بالأضرار النفسية، أو الصدمات السيكولوجية- أن صح التعبير- التي تنشأ عن عدم مراعاة استعدادات الطفل:
(وإذا ألقيت عليه الغايات في البدايات وهو حينئذ عاجز عن الفهم والوعي، وبعيد عن الاستعداد له، كل ذهنه عنها، وحسب ذلك من صعوبة العلم في نفسه، فتكاسل عنه، وانحرف عن قبوله، وتمادى في هجرانه، وإنما آتى ذلك، من سوء التعليم) .
-راجع مقال الأستاذ محيي الدين المشرفي رئيس مصلحة التعليم الابتدائي (أهمية الطريقة الحسية) في جريدة الشباب عدد 1.