فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
لو أمكن أن توضح ضابطة خلقية بانفصال تام عن العقائد الدينية، حرية بأن يلتزمها المومن والملحد على السواء، لكان خيرا للأمة، لان العقائد عرضة أبدا للتغير والتطور، ولكن الضابطة الخلقية يجب أن تكون ثابتة لا تتغير، حتى لا يضطرب كيان الأمة في حال من الأحوال.
أما نظام الدولة فكان من رأي سقراط أنه إذا كانت الدولة بنفسها عنوان الفوضى والعبث، تأمر الناس ولا تأخذ بأيديهم، وتسوقهم ولا تهديهم، فلا يمكنها أن تحث آحادها على أن يتبعوا قوانينها، وأن يخضعوا طموحهم الذاتي للخير العام، كان يقول سقراط: أنه حيثما انعدم الفكر والتأمل كانت الفوضى وعدم النظام، وأن المجموع من الناس يستعجل أبدا في الحكم، وأكثر ما يحكم بالجهل، ويعود بعد ذلك نادما على ما فرط منه، وكان يسأل: أليس من ألوهم المحض أن يرجى أن اجتماع عدد من الناس تنبعث منه الحكمة والتعقل؟ أليس من الحق أن الناس مجتمعين يكونون أدنى إلى الحمق وأشد وأظلم في حكمهم منهم منفردين.
ولك أن تتصور ما كان لتعاليم سقراط هذه من رد فعل عند الحزب العمومي القائم بالحكم والأمر، في وقت كانت أقلية من أهل الثروة والثقافة في أثينا تدبر فيه ثورة على النظام القائم، ثم أنه وقعت الثورة بالفعل، وقاتل فيها الناس، هذا بحقها وهذا بخلافها، ولكنه كانت الغلبة فيها للديمقراطيين مرة أخرى، ولما كان سقراط في رأيهم هو المرشد الروحي لتلك الأقلية الارستقراطية الثائرة، على كونه بقي منعزلا عن الحرب، رفعت عليه القضية في المحكمة يومئذ أفلاطون أيضا، فاستمع لدفاع سقراط ودونه فيما بعد في كتابه (المحاورات) تحت عنوان (الاعتداء) وهو فصل يشتمل على ثلاثة خطب للفيلسوف في الدفاع عن نفسه. ومن المعلوم أن اتهام سقراط بما ذكر آنفا من الجريمتين إنما كان خداعا اتخذوه لإخفاء عداوتهم له وحنقهم عليه، وفي هذا الدفاع لم يعن سقراط بأن يرد عن نفسه التهم مثل ما عني بأن يفضح أرباب الأمر عليه، وكيف أنه أصبح قذى في أعينهم بما أنه حصن العامة على إصلاح النفس، وبما أنه شهر بجهل المتعالمين من القوم في أثناء بحثه عن الحكمة.
وفي هذه المحاكمة ثبتت إدانة سقراط، وقيل له على عادة اللاتينيين أن يقترح بنفسه العقوبة التي يرى أنه يستحقها. فأجاب ساخرا مستهزئا: أني أرى أن تثيبني الدولة بجائزة لأني ظللت ناصحا لها ووفيا بها طول حياتي. ولا شك في أنه لو أحسن الدفاع عن نفسه لبرئ، ولو لم يسخر من القضاة ولم يتهكم بهم في وجوههم على مرأى من الناس لما حكم عليه إلا بغرامة يسيرة كان في وسعه أن يؤديها ويتخلص، ولكن موقفه ذلك زاد في سخط أهل المحكمة وحنقهم. وبهذا أجبر هذا الفيلسوف قضاته في المحكمة على أن يرعبوه ويلزموه بالصمت.
فقضي الأمر بأن يسقى سقراط كأس السم، وجاءه بعض أصدقائه في السجن وعرضوا عليه الفرار، لأنهم قد رشوا كل من كان حائلا بينه وبين تحرره، ولكنه أبى، وكان قد بلغ من عمره السبعين، فلعله رأى أنه قد حان الوقت الذي ينبغي له أن يموت فيه، وأن موته لن يكون أنفع وأجدى من موته في ذلك الوقت، ففي آخر يومه في السجن قال سقراط لأتباعه وأصدقائه عند خاتمة حواره معهم: هونوا عليهم يا أخواني! وإذا دفنتموني بعد أن مت فأيقنوا أنكم إنما تدفنون جسدي وحده، لا روحي، لان الروح لن يلحقها الفناء.
قال أفلاطون في حواره (فيدو) وهذا هو الفصل الذي عنيناه في صدر المقال:
«لما أن قال سقراط هذه الكلمات، نهض إلى الحمام ليغتسل، وتبعه كريتو، وأوعز إلينا أن ننتظر، فتخلفنا من ورائهما وأخذنا نتكلم ونفكر في موضوع الحوار الرائع وفي عظم المصاب الذي قد أوشك أن يحل بنا، فكان سقراط عندنا بمنزلة الوالد الذي كنا سنفقده بعد حين، ونقضي حياتنا الباقية يتامى، عشيرته، فتحدث معهم مليا وأوصاهم أمورا بمشهد من كريتو، ثم أرسلهم عنه ورجع إلينا.
وقد دنا المغيب الآن، لأنه غاب عنا وقتا غير قليل، فلما خرج إلينا جلس معنا مرة أخرى، ولكنه لم يجر بيننا وبينه كلام، وعندئذ دخل السجان ووقف بجانب سقراط وخاطبه: أنك يا سقراط خير من دخل هذا السجن وأشرفهم طينة والينهم جانبا، فلن أتوقع