فهرس الكتاب

الصفحة 3072 من 5287

أن أجد فيك السخط والغضب الذي عهدته فيمن سواك ممن كانوا يثورون علي غاضبين ويدعون علي بالويل والثبور كلما تقدمت إليهم - بحكم وظيفتي- بكأس السم، وأني واثق أنك لن تغضب علي، لان اللوم في هذا الأمر على غيري لا علي، فودع نفسك وداعا يا سقراط وأجمل الصبر على الأمر الذي لا مهرب منه، ولعلك قد فهمت ما جئت الآن لآمرك به، ثم أجهش باكيا وانصرف.

وأرسل النظر من ورائه سقراط وقال: أني أبادلك اللطف والمودة يا أخي! وسأمتثل أمرك، ثم التفت إلينا قائلا: ما أطيب هذا الرجل قلبا وما أدمثه خلقا، أنه لم يزل يختلف إلى في السجن مذ دخلته، وكان يتكلمن في الأحايين ويعاملني بأحسن ما في وسعه من المعاملة، وانظر إليه الآن كيف يحزن لأجلي، أنه يحسن بنا - أي كريتو- أن نفعل كما يأمر، فليؤت إلى بالكأس أن كان السم قد أعد، وأن يكن، فقل لخادم السجن أن يعد لي شيئا منه.

قال كريتو: مهلا يا سقراط! فان الشمس لا تزال فوق ذري الآكام بعد، وأني لأعلم أن كثيرا من المعاقبين في هذا السجن قد أجلوا تناول المشروب إلى ما بعد مغيب الشمس، وأنهم بعد أن أمروا بالشراب قد أكلوا وشربوا ومتعوا أنفسهم بصحبة العشيرة والأصدقاء ما شاءوا، وقد بقي دون المغيب وقت غير قليل.

قال سقراط: نعم يا كريتو! أن الذين تذكرهم أحقاء بأن يفعلوا مثل ذلك لأنهم يظنون أنهم إنما ينتفعون بالتأخير، ولكني حقيق بأن لا أتبعهم ولا أحذو حذوهم، لأني اعتقد أني أن أجلت تناول السم فلن يغني عني ذلك شيئا. وسأكون أضحوكة عند نفسي إذا حاولت أن أطيل أو أوفر حياة قد صودرت فعلا، فتفضل يا أخي بامتثال ما أقول ولا تردني.

فأشار كريتو إلى الخادم الذي كان واقفا من قريب. فخرج وبعد غياب قصير عاد مع السجان حاملا بيده كأس السم. قال سقراط: أرجوك يا صديقي الابر أن ترشدني كيف أتقدم في الأمر، لأنك مجرب في هذه الأمور، فقال الرجل: ليس عليك، يا سيدي، إذا شربت من هذه الكأس إلا أن تمشي على قدميك حتى تثاقلا، فإذا أحسست بالثقل في قدميك فاضطجع على السرير ليعمل السم عمله. قال هذا وناول الكأس سقراط، وتناولها سقراط بكل سهولة وارتياح، بدون أن يعتريه الخوف أو يمتقع لونه أو تتغير ملامحه، ونظر إلى الرجل بملء عينيه كعادته ثم قال: ماذا ترى في أن أقدم إلى ألهي من هذا الشراب، هل أنا في حل من ذلك؟ فقال الرجل: أنا نعد من هذا الشراب - يا سقراط- المقدار الذي نحسبه كافيا لشربة واحدة فقط، قال سقراط: قد فهمت. ولكن يجور لي، بل يجب علي أن أسأل الآلهة أن يباركوا في سفري من هذه الدنيا إلى الأخرى، آمين.

ثم رفع سقراط كأسه إلى شفتيه وشرب السم بكل رضا وبدون تلعثم، إلى هذا الوقت كان كلنا قد استطاع أن يملك حزنه، ولكن الآن وقد رأيناه يشرب من الكأس، حتى رشف آخر قطرة منها، لم نتمالك أنفسنا، ففاضت دموعنا على الرغم منا، فغطيت على وجهي بيدي وبكيت، لا لمصاب سقراط، بل لمصابي أنا في هذا الصديق العظيم، ولم أكن أول من خانه الصبر، فان كريتو لما رأى أنه لا يستطيع أن يمنع سوابق عبراته قام من هناك، وقمت أنا من ورائه وإذا صديقنا أبو لودورس الذي كانت عيناه تدمعان في أثناء ذلك كله رفع صوته بالبكاء، ولم يبق إلا سقراط على هدوء النفس وسكونها، فقال لنا زاجرا: ما هذا الصباح العجيب؟ إنما أرسلت النسوى عني لكيلا يفعلن مثل هذا الفعل الذي لا يليق، لأنهم قد قالوا: أن المرء ينبغي أن يموت في هدوء وسكون. دعوا أنفسكم من هذا يا أحبتي وألزموا الصمت والصبر، ولما سمعنا عنه هذا خجلنا في أنفسنا ومنعنا دموعنا، ومشى سقراط في السجن، حتى أخذت قدماه - كما قال- تثاقلان، فاضطجع على السرير مستلقيا كما قيل له، والرجل الذي ناوله السم أخذ ينظر إلى رجليه وساقيه، وبعد هنيهة ضغط على رجله وسأل: هل تحس؟ قال: لا. ثم فعل مثل ذلك بما فوق الرجل من الساق إلى الفخذ، وأشار إلينا أن أسلفه قد برد وتصلب، وأحس ذلك سقراط نفسه وقال: إذا بلغ السم القلب فذلك هو النهاية.

وكان جسمه قد أخذ يبرد عند السرة إذا هو حسر عن وجهه - وكان قد غطاه بنفسه من قبل- وقال: أي كريتو! أني مدين لا سليبس في ديك أخذته منه، فهل لك أن تؤدي هذا الدين عني ولا تنسى. لك حاجة أخرى؟ ولكنه لم يأت منه الجواب على هذا السؤال الأخير. وبعد دقيقتين أو ثلاث كانت حركة تحت الثوب، فأماط الخادم عنه اللثام، فإذا عينا سقراط قد جمدت، فقام كريتو وأغمض جفنيه وأطبق فاه.

وتلك - يا أيشيقراط- كانت نهاية صديقنا الذي أقول فيه بصدق: أنه كان خير من عرفت من أهل زمانه وأكيسهم وأعدلهم.»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت