فهرس الكتاب

الصفحة 3084 من 5287

فمؤتمر الدار البيضاء قد نشر على طاولته المستديرة جدولا للأعمال يمكن أن تمتاز فيه المشاكل العاجلة كقضية الكونغو والجزائر ورواندا وراندي وموريطانيا والمشاكل الأخرى التي تحتاج إلى أعمال تسلسلية جديدة، كمشاكل الميز العنصري والخطر الصهيوني وقضية الوحدة الإفريقية وتنظيم المؤسسات المشتركة، كما أن جلالة الملك قد وضع تحت أنظار المؤتمرين ميثاقا إفريقيا سيفضي الأخذ به إلى إيجاد نقطة التقاء دائمة لجميع المجهودات التي تبذلها الدول المتحررة في مختلف الميادين.

إن المشاكل التي تدارسها مؤتمر القمة، والروح التحررية التي كانت تحدو القادة في دراستهم تنتهي بنا إلى تقرير الحقائق الآتية:

الحقيقة الأولى: هي أن المؤتمر أوجد أداة إفريقية فعالة لحل ما يعترض القارة من مشاكل وما يواجهها من مشاغل وما يقتضيه بعثها من جهد وعمل.

والحقيقة الثانية: هي أن المؤتمر أوجد العدة الضرورية لمقاومة وتجنب الاستعمار السافر المباشر والاستعمار المستور المقنع، سواء كانت تلك السترة هي الزعامات المزيفة التي يضمن وجودها استمرار التوجيه الخارجي، أو هي أصناف التبعية الاقتصادية أو هي مظاهر الارتباط الفكري، حتى لو كان ذلك الارتباط يبدو على شكل تسميات أو انتحال اسم لغة الاستعمار.

والحقيقة الثالثة: هي أن مقرراته كانت بمثابة دواء ناجع لتحرير الشعوب الإفريقية المصابة بأحد الأمراض الاستعمارية من «عقدة الخوف من الحرية» تلك العقدة التي حسب الاستعمار أنه سيخلقها في نفس الأفارقة إذا ما نجح في تحطيم شعب الكونغو وخنق التيار التحرري في رواندا أوراندي، وإلحاق شعبي الأنجولا والمزنبيق بقصة قانونية بالأمة البرتغالية.

فالأفارقة وقد نشرت أمامهم مقررات مؤتمر القمة العظيم في الدار البيضاء أصبحوا بعيدين عن جو اليأس والقنوط، وطهروا نفسيتهم من مركب النقص ومن شعور الخوف لا من الاستعمار فحسب ولكن من الحرية وتبعاتها، وتأكدوا أن وراءهم كل شعوب إفريقيا تسندهم في مطالبهم، وتسندهم في عملهم لبناء الاستقلال وتحمل تبعاته وصيانته.

والحقيقة الرابعة: هي أن «دور الحكم» الذي كان يريد الاستعمار دائما أن يقوم به في إفريقيا قد أسند إلى الأفارقة أنفسهم، فلم تعد المبادرة في يد جيش فرنسا أو مظلييي بلجيكا أو أسطول بريطانيا لحل النزاعات بين المناطق الإفريقية، وللوقوف بين أطراف الصراع الداخلي في كل منطقة، ذلك الصراع الذي تبتدعه عادة عبقرية المتدخلين آخر الأمر، وإنما أصبحت هذه المبادرة في يد «حكم» إفريقي صميم هو الجيش الإفريقي الواحد المتحرر، ذلك الحكم الذي يندفع بروح من حماية الوحدة الوطنية حماية لا غبار عليها، وبروح من الحفاظ على السلام العالمي وإبعاد شبح الحرب الباردة عن القارة الفتية.

إن هذه الحقائق العظيمة الإيجابية تكون عاملا رئيسيا في تصفية الانعكاسات السيئة التي أحدثتها الحوادث الأخيرة في القارة، وخاصة في الكونغو، عند الشعوب الإفريقية الحديثة العهد بالاستقلال أو المتطلعة إلى حريتها، والتي غذتها أيضا مظاهر التأييد التي حظيت بها الاتجاهات الانفصالية في موريطانيا وكاساي الجنوبية وكاطانغا وغيرها في مؤتمر دول الجامعة الفرنسية الذين اجتمعوا في أبيدجان وبرازافيل فمؤتمر الدار البيضاء قد أظهر أن العقول الإليكترونية التي تسير من باريس وبروكسيل ولندن هي عقول لا تكونها دماء إفريقيا ولا تتصف بصفة الاستجابة للإرادة الإفريقية، وأن المؤتمرات التي تلح على أن تتحدث بالفرنسية حتى لو كانت الشعوب التي تمثلها لا تنطق بتلك اللغة ولا بغيرها من لغات الاستعمار، هي مؤتمرات استعمارية لحما ودما وعقلا ولسانا.

ولا بدع في ذلك، فالأقطاب الذين وضعوا اللبنات الأولى في البناء الإفريقي السليم نبعوا من صفوف الشعب الإفريقي، وعاشوا آلامه وتحملوا في سبيله السجون والمنافي والعذاب. أما مؤتمر ابيدجان وبرازافيل فقد ضم أناسا ربتهم الإرساليات الدينية الاستعمارية وترعرعوا في أحضان فرنسا وتعلموا في المدارس الخاصة وهيئوا معنويا للإيمان بالحضارة والمجد الفرنسي، واحتقار كل ما يمت إلى إفريقيا والإفريقيين.

ولا يعني هذا التقابل أن هناك معسكرين في إفريقيا احدهما متحرر والثاني منحرف، فإفريقيا بشعوبها وطاقاتها جبهة واحدة متراصة تقف وقفة رجل واحد في وجه التدخل والاستغلال والسمسرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت