فهرس الكتاب

الصفحة 3085 من 5287

وما مؤتمر الدار البيضاء العظيم سوى تفجير تدشيني لهذا التصميم الذي بدأ يؤتي أكله سواء في الكونغو حيث قررت كتلة الدار البيضاء دعوة جيوشها من الكونغو، أو في الأمم المتحدة حيث طلبت تلك الكتلة اجتماعا عاجلا لمجلس الأمن لدراسة الوضعية في تلك البلاد بعد نقل الرئيس لومومبا إلى كاطانغا.

من بوكافو إلى انتيبي

أصدرت الإدارة الاستعمارية البريطانية في أوغندا أمرا بإغلاق الحدود بين هذه المحمية وبين إقليم كيفو الذي تشرف عليه حكومة محلية تابعة لسلطات ستانفيل الشرعية، ويشمل مفعول هذا الأمر جميع الطرقات والمسالك المؤدية إلى ذلك الإقليم، كما ينص على وجوب اتخاذ جميع الوسائل لإقامة حاجز منيع من الاسلاك الشائكة ودوريات الخفر والألغام حتى يقف أي اتصال كيفما كان نطاقه ومداه بين المنطقتين.

وقد يتصور البعض أن السبب في هذا الإجراء الذي لم يسبق للإدارة الإنجليزية في أية مستعمرة أن لجأت إليه، ولم تفكر في اتخاذه في مستعمرة هونغ كونغ مثلا عند اجتياح الثوار الصينيين لمجموع تراب الصين، أو عند تأزم الأوضاع بينها وبين إسبانيا حول مستعمرة جبل طارق، قد يتصور البعض أن السبب في هذا الإجراء هو خوف المملكة المتحدة من أن تتهم من طرف دول العالم باستعمال تراب المحمية الأوغندية ضد دولة الكونغو، أو خوفها من أن تعمد بعض الدول الأخرى إلى مطالبتها بإعطاء الاستقلال إلى أوغندا، كما طولبت بذلك بلجيكا في مجلس الأمن أخيرا بعد أن سجلت إدارتها الاستعمارية في رواندا أورندي باستعمال المطارات والطرق من طرف عصابات العميل موبوتو التي حاولت إزاحة الحكومة الموالية للمومبا عن عاصمة بوكافو.

وربما تصور البعض الآخر أن السبب الذي ألجأ بريطانيا إلى تحريم الاتصال بين أوغندا وكيفو هو فرض نوع من الحصار على الإقليم الكونغولي انسجاما مع خطة موبوتو وكازافوبو الرامية إلى تجويع السكان هناك، وإرغامهم على التزام الولاء لحكومة ليوبولد فيل.

ولكن مجرد تعميق بسيط للأوضاع الداخلية في أوغندا، واطلاع سطحي على الأسلوب العجيب الذي تتبعه الإدارة البريطانية في هذه المحمية الغنية وذات الموقع الهام والحضارة العريقة يوضحان أمر هذه الإجراءات أو هذه التدابير الوقائية على أصح تعبير.

فمحمية أوغندا هي أغنى مناطق إفريقيا الشرقية البريطانية اذ تنتج نصف القطن وأكثر من ثلاثة أرباع القهوة بالنسبة لمجموع المنطقة. وهي تضم سبعة ملايين من النسمات البشرية أي ربع سكان إفريقيا الشرقية، ولا تظهر أهمية هذا العدد الوفير من السكان في المجهود الاقتصادي أو في استهلاك سلع الإمبراطورية البريطانية حيث يتوفر الأوغنديون على سوية اجتماعية مناسبة، وترتفع عندهم القدرة الشرائية، ولكن يظهر ذلك في جانب آخر ذي طابع سياسي، وهو توطن القبائل الشرقية الأصلية المهمة في تلك البلاد، تلك القبائل التي يعترف بها سكان طانغانيكا ونياسالاند وكيفو بالدور القيادي، ويرمونها بكثير من التقدير والإجلال.

إن هذه العوامل كلها تجعل المملكة المتحدة تصطنع أوضاعا معينة وتوجد توازنا بين الحركات والنزعات المختلفة تتمكن معها من إبقاء سيطرتها لا على أوغندا فحسب، ولكن على المناطق المحيطة بها كذلك، ومن الاستمرار إلى جانب هذا في استغلال تخيرات البلاد الفلاحية والمعدنية.

لقد حافظت بريطانيا بمهارة فائقة على هذا التوازن السياسي، فهي من جهة ظلت محتفظة للممالك الأربع وخاصة لمملكة بوغندا التي يحكمها الكاباكا بأوضاعها التشريعية الخاصة بها، ومن جهة ثانية لم تقف في وجه رؤساء القبائل الذين يناوؤون تلك الممالك والذين يستمدون زعاماتهم من العصبية الجنسية في الداخل والخارج، ومن جهة ثالثة سمحت باستمرار قيام الأحزاب الوطنية الثلاثة التي تشكل من ناحيتها سياسة ثالثة.

ان هذا التقابل بين الممالك التي تنادي بالحكم الفدرالي ورؤساء القبائل الذين يهدفون إلى إقامة دولة متحدة مركزية والأحزاب الوطنية التي تعمل من أجل الاستقلال والمركزية معا جعل السير فريدريك كراوفورد الحاكم البريطاني حكما بين هذه القوات وجعل المفاوضات بين المملكة المتحدة وبين حكومات أوغندا تمنى دائما بالفشل لأنها تتعثر دائما عندما يتطرق البحث إلى نظام الدولة المقبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت