فهرس الكتاب

الصفحة 3203 من 5287

وخاصة ما يتعلق برونق العبارة وطلاوة الأسلوب». وكلما ارتفع العمل الأدبي من الناحية الفنية عزت ترجمته، وفقد كثيرا من قيمته بالنقل. والذين كانوا يقولون: (إن مقياس قيمة الأدب أن يستطاع نقله إلى أي لغة أخرى دون أن يفقد شيئا من قيمته كانوا يغالون ليتبنوا حجتهم في ملابسة معينة) .

ونحن نرى أن كتب التفاسير قد اختلفت في التفسير قصرا وطولا. وليس التفسير في سوى ألفاظ وعبارات تبين معاني القرآن وتوضح أهدافه ومراميه. ولا فرق بين المفسر والمترجم إلا أن هذا يضع في بيان معنى اللفظ لفظا عربيا وذاك يضع لفظا أعجميا. وقد يتاح للغة المترجم إليها أن يقوم بأداء بعض الخصائص التي انفردت بها لغة العرب ولكن من الجور في الحق أن نحكم بأدائها لجميع الخصائص، فقد يكون اللفظ العربي بعد الدلالة الأصلية دلالة على حادثة خاصة، كما أن هناك من الاستعارات والتشبيهات والأمثال ما له علاقة خاصة بالحياة العربية وأحوالها، وليس لتلك الأحوال شبيه عند غير العرب من الأمم والعكس صحيح، وليست اللغة العربية بقادرة توفي في الترجمة خصائص اللغات الأخرى والدلالات التالية، وخاصة في اللغات الحية والراقية.

ونتيجة لذلك نرى أن الترجمة تزداد عسرا كلما كان هناك اعتبارات أكثر، وكلما كانت الألفاظ المحملة بدلالات تابعة أكثر «وهكذا (1) حتى يصل الأمر في بعض الأحايين إلى حد الاستحالة المطلقة في نقل الآيات المعجزة من القرآن الكريم، فإن نقل الخصائص التي بها كان الإعجاز يقتضي أن الترجمة تحمل خصائص الإعجاز يقتضي أن الترجمة تحمل خصائص الإعجاز أيضا في اللغة المنقول إليها، والإعجاز في أي اللغة من اللغات ليس في استطاعة البشر» .

وعلى هذا فالحق إنه يمكن ترجمة القرآن من ناحية الدلالات الأصلية يستحيل أو يكاد ترجمته من ناحية الدلالات التابعة، فبطل القول أنه لا يجوز ترجمته لأنه معجز.

أهم شبه المانعين من الترجمة والتعقيب عليها

نستطيع أن نقسم تلك الشبه التي أمسك بها مانعو الترجمة إلى قسمين:

1)قسم يلحق الكتاب من ناحية المحافظة عليه والإبقاء على سلامته من عبث التراجم وما تجره عليه وعلى الإسلام -كما يقولون- من عواقب غير محمودة.

2)قسم يتعلق بأساليب القرآن والتصوير الفني فيه ونواحي الإعجاز ..

وسنعرض لبيان القسمين وأهم ما يتعلق بكل قسم ثم نعقب على كل شبهة من شبه القسمين بكل ما نراه مزيلا للبس.

فأما أهم ما يتعلق بالقسم الأول فنخلصه في الشبهتين التاليتين:

الشبهة الأولى: أنزل الله سبحانه وتعالى التوراة والإنجيل باللغة العبرية فتناولها أهلها بالترجمة وجدنا أنهم أضافوا إلى الأصل كما أنهم أتوا على الأصل فأنقصوه أشياء، دعت إليها ظروف الترجمة وملابساتها، وإذا علمنا أنه لم تكن وقتئذ طباعة ورقابة بالشكل المعهود الآن أدركنا مدى الزيادات التي زيدت على الأصل الكتابين القديمين من التواريخ والأحكام وما تفرع على ذلك من تعدد الأناجيل، وعلى هذا فهم المانعون أن الأمر يصل بالقرآن الكريم في التحريف والتغيير والتبديل إلى ما وصل به الأمر بالإنجيل من التعدد، وفي ذلك ضرر بالغ بالكتاب وتضييع له.

التعقيب: ونحن نرى أن النصارى يعتقدون اعتقادا راسخا بأن الإنجيل أنزله الله تعالى على رسوله عيسى عليه السلام بلغة إلهية، اجتمع لترجمته سبعون حبرا، ولكنهم يقولون بوجود عدة أناجيل كتبها جماعة من كبار أتباع المسيح لنشر تاريخ حياته وجمع تعاليمه ووصاياه، وللتدليل على هذا ما جاء في المجموعة الصغرى للعلامة «لاروس» قوله: «الإنجيل بل الأناجيل هي الكتاب المقدس المؤلف من أربع روايات وصفها القديس متى والقديس مرقس والقديس لوقا والقديس يوحنا وقد ضمنوها حياة المسيح ومذهبه» .ومع هذا لا يرى المسيحيون بأسا من تعدد الأناجيل، لأنها جميعها تربطها حدة، هي حياة المسيح

ص6 من بحث الإمام المراغي في ترجمة القرآن (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت