فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الإستعدادات الإنسانية، قد عاقت الكائن البشري عن أن يتحرر ويتجاوز ذاته، أي أنها قد حالت بينه وبين أن يحقق شخصيته، وهذه الخيبة المريرة هي المصدر الأساسي للقلق والعبث والسويداء وغير ذلك من الألفاظ السائدة في الأدب والفن الحديثين، إن كتب (كير كيكارد) و (كافكا) ونظرية العدم عند (هيدجر) وآراء (ماكيافيل) - والماركيز دوصاد- قد إنتشرت على نطاق واسع لأنها تتجاوب مع حيرة المثقفين الذين خابت آمالهم، ومع ردود الفعل للوعي الحديث.
وعندما عكس الأدب هذا الوعي للأزمة فإنه إمتلأ بالإستبطان الذاتي وأصبح عبارة عن عرض للإنهزامات الأخلاقية، وإظهار صارخا للقلق والإنتقادات الذاتية، وإبراز لمحنة الضمير .. وهي الصفات التي تطبع عصرنا. ويدخل في هذا المجال رغبة جنونية في الهرب من الواقع عن طريق القصص البوليسية والفن المجرد، وقصص نوع خاص من الشباب. ولاننسى أولئك المتخصصين في كشف القناع عن الحياة الخاصة للنجوم السينمائيين، وتتبع الفضائح والمغامرات. ولكن علينا أن نستثني من هذا كله الملايين من الرجال البسطاء الذين يمارسون نشاطهم في شجاعة وكرم .. أليسوا هم ايضا ممثلين لعصرنا؟ ويمكن لنا أن نذكر على سبيل المثال بعض الأعمال الفنية (البابلو بيكاسو) التي أنتجها بعد"الفترة الزرقاء"مثل لوحة (كيرنيكا) ولوحة الحرب والسلام).
وفي الأدب نذكر مؤلفات (أدكاربو) و (جورج بيرنانوس) و (وليام فولكنير) و (ودوس با سوس: و عبد الرحمان الشرقاوي) و (سهيل إدريس) . وفي الأفلام السينمائية فلم (بذرة العنف) و (جلسة سرية) ونحن نذكر هذه الأعمال دون الحكم على قيمتها، كشواهد لهذه الفترة على هذه الفترة، بما فيها من صالح وطالح .. إنها شهادة على عجز ألخلاق في حضارة أفلست مع إحتفاضها بإمكانيات ثرة أن المأساة ناتجة من كون وعي الصدمة- الذي ظهر في شكل عدم التكيف- لم يصبح بعد واضحا ومتغلغلا في نفوس الجميع. ثم هناك خيانة المثقفين الذين كان يرجى منهم أن يكونوا في الطليعة La trahison des clerds )) (1) . وفي مقابل أولائك الذين يفضلون"العمل المجاني"الذي دعا إليه (أندري جيد) أو الرفض السهل الذي نادى به كامو)، وجد من إختاروا الإلتزام الذي دعى إليه كل من (مونيي) و (سارتر) ، وإذا المعركة لم تعد قائمة بين القدماء والمحدثين أو بين أنصار الكلاسيكية وأنصار الرومانسية وإنما أصبح الصراع بين الذين يعتبرون الثقافة مسالة ذوق شخصي وامتيازا موقوفا على ذوي أرستوقراطية فكرة معينة، وبين الذين يريدون أن تصبح الثقافة قوة مؤثرة في المجتمع تعمل على ضمان للإستقرار والرفاهية للإنسانية جمعاء.
إن دعة المذهب الإنساني في كل العصور وبخاصة في عصرنا يرغبون في أن تتطور الإنسانية في ثلاثة أبعاد مرة واحدة وهي الأبعاد المادية والثقافية والأخلاقية، غلا أن الرغبة في إقامة علاقة وطيدة بين معارفنا وواجباتنا لم تخرج إلى حيز التنفيذ. وكان يجب أن ترافق التقدم العلمي والتقني زيادة في نشر العدالة والحرية وعميق للمفهوم الإنساني حتى يستطيع هذا التقدم أن يستجيب لمتطلبات حضارة أصيلة يمكن في ظلها لإلتزاماتنا وأعمالنا أن تؤكد- بحرية وتضامن- كرامة الإنسان. وحينئذ لن يصبح المثقف هو الذي يتوفر على ثقافة الكتب، بل هو الذي يتستغل ثقافته في جميع ميادين النشاط الإنساني وفي جميع المستويات ليجعل النوع البشري صالحا في مجموعه، أي أن المثقف هو الذي يربط مصيره بمصير الإنسانية. وعلى العكس من ذلك الثقافة التي لاتشجب الحرب ولاتضع خطة لتحقيق التضامن الإنساني، فإنها تقود حتما إلى الإنحطاط والفتنة"والفتنة أشد من القتل"كما جاء في القرآن.
وإذا فهناك نوعان من الثقافة: ثقافة جيدة وثقافة رديئة. والنوع الأول هو الذي يدفع كلا منا إلى السهر على ألخلاق وتقدم الجميع، لأن التفاوت والظلم يجران إلى الفوضى والمصائب كما جاء في القرآن (2) :"واتقوا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعملموا أم الله شديد العقاب"وقد اصاب افلاطون (الجمهورية) عندما أعتبر الثقافة خيرا مشتركا بين الجميع وسخر من السوفسطائيين"الذين امتهنوا توزيع الثقافة وكانوا يزعمون بانهم يضعون المعرفة في الأرواح الفارغة منها، شأن من يبعث النور في العينين المطفأتين".
1)إشارة إلى عنوان الكتاب الذي الفه الكاتب الفرنسي Julien Benda في أوائل هذا القرن.
2)سورة الأنفال.