فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق س4 ع7 - ابريل 1961 ص54
الجمهورية العربية المتحدة
بعد ثلاث سنوات
للأستاذ المهدي البرجالي
إن قيام الجمهورية العربية المتحدة لم يكن فقط أساسا لوقوع تعديل جديد على وجه الخريطة السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، لا ولم يكن مجرد تغيير عددي للوحدات الدولية الكثيرة التي تملا حيز هذه المنطقة، لقد كان بدء انطلاقة كبرى في السبيل الواضح الذي تختطه المجتمعات اليقظة لنفسها عندما تريد التحرر من اسار القيود الفكرية والعقد النفسية التي تحول بينها وبين التطور، لقد كان وثبة هائلة في طريق التحرر والتقدم والتجديد، وطفرة سريعة في مجال التغلب على التحديات الداخلية والخارجية التي تواجه البعث العربي الحديث، وكان- بالنتيجة لذلك- إسهاما ايجابيا في تقويم الفرد العربي وصقل إنسانيته وتأصيل وجوده وتنظيم نشاطه وملكاته وقيادته إلى سبيل الثورة الخلاقة المبدعة من أجل الحياة ومن أجل القوة ومن أجل النمو والتطور.
في مطلع سنة 1958 - أي منذ ثلاث سنوات فقط- كانت الجمهورية السورية لا تزال تشكل- في محيط الحياة الدولية- كيانا سياسيا متميزا له شخصيته الثابتة المستقلة، وذاتيته الخاصة المتفردة، وكانت مصر- هي الأخرى- لم تعد بعد- ما هي ألان- مجرد إقليم عار عن كل صبغة دولية خاصة، كانت الدولتان متمايزتين عن بعضهما البعض تمايزا واضحا سواء فيما يتصل بطبيعة نظام الحكم أو واقع الحياة السياسية الداخلية أو صبغة الظروف الدولية القائمة، ولكن القطرين كانا- مع ذلك- على درجة قصوى من التقارب في المقاصد والغايات، والتداني في المشاعر والعواطف والترابط في المصالح والمنافع، وذلك إلى حد كان يوحي بأنهما يشكلان بالفعل وحدة ضمنية غير مباشرة يختط لهما القدر في ظلالها ذات الاتجاه ويحدد لكليهما نفس المصير.
والواقع أن هذه الإمكانيات الوحدوية التي كانت تتوافر بين البلدين لم تكن فقط وليدة التوافق والتلاقي حول بعض الخطوط المصلحية العابرة أو البوادر الانتهازية العارضة كما انها لم تكن أيضا ناشئة عن نوع معين من الأحلاف والمعاهدات تنتهي بانتهاء مراميها وأغراضيها كما هو الشأن بالقياس لكثير من الحالات الدولية من هذا القبيل، إن الإمكانيات التوحيدية بين مصر وسوريا كانت- في جوهر الأمر- امتن أصولا وأعمق جذورا من كل ذلك، لأنها تتصل في جوهرها بأعمق مواطن الشعور والإحساس عند الجماهير والكتل الشعبية في كلا البلدين، ولأنها كانت- وعلى امتداد الحقب والقرون- من أقوى العوامل السياسية والاجتماعية والنفسانية التي ساهمت- حقيقة- في تحديد مصير الأشخاص والدول بمجموع بلاد الشرق العربي وأثرت تأثيرا عميقا في وجهة سير الأحداث والتيارات التاريخية بالمنطقة.
وعلى هذا فيكون من المعقول جدا تقدير هذه الإمكانيات على حقيقتها واعتبارها لا على أساس أنها تمثل مجرد ظواهر سياسية دولية قصيرة الأهداف، محدودة المدى، بل على أنها تشكل قاعدة حقيقية لوحدة طبيعية حتمية لم يكن لتعاقب الأيام والأحداث إلا أن يساهم في تمديد أبعادها وتعميق جذورها وتأصيل مدلولاتها الفلسفية والملية، لأنها كانت - قبل أن تتخذ شكلها الرسمي الدستوري- وحدة شعبية جماهيرية نابعة من ضمير الشعب العربي في القطرين، ومكرسة لإرادته الكاسحة، واتجاهه الواعي،