فهرس الكتاب

الصفحة 3371 من 5287

على تحريك الجماهير وإذكاء حماسها وحثها على التعاون والتضامن البشري.

ثم إن الجمهور المغربي تواق إلى مشاهدة صور عن الأنباء العالمية، وله تشوق للاطلاع على ما يقال وما يصنع في مختلف أصقاع العالم، فينبغي لواضعي برامج التلفزيون أن لا يهملوا ذلك، بل عليهم أن يعرضوا عليه نماذج من المنجزات التي يمكن تقديمها إليه كمثال يحتذى، والتي تكون كفيلة بإثارة همته إلى التيان بمثلها، وعلى هذا يجب إسناد أمور التلفزيون إلى هيئة من المواطنين الذين تتوفر فيهم شروط الأهلية ليلا يكون سوء الاختيار سببا في وقوع ما لا تحمد عقباه.

وهناك مسألة أخرى يجب على المكلفين بوضع البرامج أن يهتموا بها كل الاهتمام، وهي تخصيص قسط من الحصص للطبقة المثقفة، فمن المعلوم بالبداهة أن البرامج المعدة لمختلف الطبقات لا ينبغي أن تكون متماثلة، فليس من الممكن إثارة اهتمام الفلاح والصانع والطالب والموظف بنفس الموضوع وبنفس الصيغة والشكل الذين يعرض بهما على الطبقة المثقفة، وإذا كان احتياج الطالب والموظف إلى التلفزيون أقل من احتياج زميليه الفلاح والصانع إليه، فان التلفزيون - على العكس من ذلك- في حاجة ماسة إلى مؤازرة الطلاب والموظفين لاعتبارات دعائية محض، وإذا كان المأمول الحصول على ما يكفي من الإعلانات التجارية لتغطية بعض المصروفات التي يتطلبها استثمار المشروع، فلا مندوحة إذن من التوفر لأصحاب الإعلانات على الزبائن الذين يهمونهم للنتائج المادية التي ينتظر أن يجنوها من ورائهم.

وبديهي أن البرامج المخصصة للجمهور من شأنها أن ترضي الشركات المنتجة أو الموزعة للمواد الكثيرة الاستهلاك، لكنها مع ذلك لن تدر على التلفزيون إلا قدرا محدودا من النفع المادي، حيث أن المواد التي تستهلك كثيرا، هي في غالب الأحيان مواد ضرورية لا يتأتى الاستغناء عنها، وبالتالي فهي ليست في حاجة كبيرة إلى الإعلان عنها والدعاية لها، أما الكماليات لا تستهلكها سوى النخبة التي تتوفر على القدرة الشرائية اللازمة فهي التي تحتاج إلى المزيد من الدعاية، وهي التي تجعل عدد المعلنين في التلفزيون أوفر وأكثر، ولذا يلزم الاعتناء عناية خاصة بزبائن هؤلاء.

وينبغي كذلك التفكير في إعداد برامج خاصة بالجاليات الأجنبية القاطنة بالمغرب ليس فقط لحملها على الإسهام بصفة عملية في حياة البلاد وفي تطورها، بل وأيضا لكون هذه البرامج قمينة بالحصول على موارد إعلانية، إذ الجالية الأجنبية تشكل بالنسبة للمعلنين زبونا لا يستهان به، وحيث أن القيام بالتلفزيون يحتاج إلى اعتمادات كثيرة، فلا ينبغي أن تكون الدولة هي التي تتحمل هذا العبء الفادح بمفردها.

وهذا يفضي بنا إلى الحديث عن نوعي التلفزيون الممكن وجودهما، فالتلفزيون أما أن يكون تابعا للدولة هي التي تقوم باستثماره وتتحمل نفقاته، وإما أن يكون تابعا لهيئات أو مؤسسات تجارية أو ما ضاهى ذلك.

ومن الواضح أنه في الصورة الأولى تكون الدولة متوفرة على وسيلة للإذاعة والاتصال تخصها وحدها، وفي وسعها أن تستعملها كما تشاء، وتكون البرامج من وضع الحومة نفسها حسبما تتطلبه المصلحة العامة للبلاد، لكن في مقابل ذلك تكون الدولة هي المتحملة لعبء المصروفات.

أما في الصورة الثانية فلن يكون للدولة من سلطان على التلفزيون سوى سلطان المراقبة، أما البرامج فتضعها الهيئة التجارية صاحبة المشروع، وقد تكون هذه البرامج من حيث الجودة المتوخاة والغاية المنشودة هزيلة، لكنها سوف تكون طبعا ملائمة لرغبة أصحاب الإعلانات وذوقهم.

فهل هذه الغاية التي يتوخاها قطر فتي يعمل جاهدا من أجل تحرير سكانه وإمتاعهم بالبرامج التربوية الترفيهية المعدة بكل إتقان؟

لقد استطاع المغرب أن يصهر النوعين في بوتقة واحدة ويستخرج منهما شكلا موحدا، حيث أن الدولة هي التي ستتكفل بالتلفزيون وحيث أنها وافقت على إذاعة الإعلانات بواسطته سعيا في الحصول على الفائدة المادية التي يدرها هذا التذييع ولا أخالها إلا أحسنت صنعا بذلك.

ومهما يكن فان الجيل المغربي الصاعد سوف يتوفر قريبا على التلفزيون، وسوف يفتح هذا التلفزيون الباب على مصراعيه في وجه جميع المواهب.

م. س

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت