فهرس الكتاب

الصفحة 343 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص9

مطلق التصرف، بمعنى أنه يختار ما يخلق على الوجه الذي يخلق، ثم بين أن المتكلمين وان يتفقوا على أن الله مختار، انقسموا إلى فريقين عظيمين فالقدرية منهم ويسمون بالمعتزلة أيضا قالوا أن الخالق وضع للكون نظاما تنطبق أصوله على مصالح المخلوقين، وأودع في المخلوقين قوة أو قدرا تصدر عنها آثارها بطريق التوليد أو السببية أو بطريق الإرادة والاختيار، فهذا فريق من المتكلمين لا يخالفون الفلاسفة في أقوالهم، وقد بقي من أهل هذا المذهب طائفة الشيعة الأمامية والزيدية الذين لا يخالفون المعتزلة في هذه الأصول، والفريق الثاني الذي يرى إسناد الآثار إلى الخالق مباشرة لم يقطع العلاقة بين الأسباب الظاهرة ومسبباتها، بل قال أن الله يصدر وجود المسبب عند وجود السبب.

شرح عبده في غير ما وضع من أبحاثه اختيار الله في أفعاله وقضائه، بوجود نظام فطري يشتمل على نواميس كونية كتب على نفسه سبحانه أن يسير العالم بمقتضاها، وهي التي لا تجد لها تبديلا، ولكنه لم يقف موقف الرد على متفلسفة الغرب الذين يريدون التنقيص من قدر الإسلام بسبب هذه العقيدة، إنهم يقارنونها بالقانون الطبيعي أو طبائع الأشياء التي يزعمون أنها من رقي المسيحية، وعدم اعتقادها سر تأخر المسلمين، والواقع أن القوانين الطبيعية هي النظام العام، وهي قوانين موضوعة يمكن تغييرها قطعان لأنها ليست ناشئة من طبائع الأشياء نفسها كما يزعمون، ومعنى تسميتها بالقوانين أنها قضايا كلية مطردة الصدق اطرادا عاديا غير بالغ مبلغ والواجب، فتخلفه ليس مستحيلا عقليا، ,غلا لما كان هناك شيء يصح أن يقال له: قوانين طبيعية، ولذلك أنكر الفيلسوف هيوم العلم.

قال الشيخ مصطفى صبري ص 30 من ج 4 من كتابه (موقف كونت في لأن يجعل قوانين العلم، أي العلم الحديث المبني على التجربة، ضرورية فلم ينجح. وقال أميل سيه أن العلم مع كونه ترقى كثيرا في مطالعة الطبيعة لم يثبت في وقت من الأوقات أن القوانين الطبيعة قوانين ضرورية هندسية) يعني أنها ليست مستحيلة التغير. وقال (لبيفتز) : ليست القوانين الطبيعية عندية محضة كما ادعى بافل، ولا ضرورية بالضرورية الهندسية. وقال (هانري بوانكاريه) في كتابه (الفرضية والعلم) القانون التجريبي عرضة دائما للتصحيح، فهو لا يزال يتوقع تبديله بقانون أقوى منه) وقال الفيلسوف مالبرانس: (إنما نرى نحن توالي الحوادث ولا نرى الرباطة التي تربط أحد الطرفين بالآخر، فلماذا تبقى هذه الرباطة مستخفية عنا؟ لكونها شيئا إلاهيا لا يوجد مثله في المخلوقات)

وقد كنت قلت وأنا في المنفى في قصيدة ما يتفق مع هذا المعنى:

أسير ما بين أمواج مسخرة

من الحقائق في رمز الإحاطات

أرى معارضة فيها ورابطة

لها وأجهل أسرار الرباطات

بقي أن نقول: أن المسيحية نفسها لا تعترف بالقوانين الطبيعية، أي ما يسميه المسيحيون اليوم بطبائع الأشياء، وقد اصدر الاكليروس سنة 1215 تحريم دراسة أرسطو، خصوصا تلاخيص ابن سينا، ,اصدر سنة 1231 البابا غريقوريوس التاسع تحريما لدراسة فلسفة العرب، وكان من أهم الأسباب، وأن هذه الفلسفة تجعل للكون نواميس طبيعية، وحمل القديس طوماس على فلسفة ابن رشد وشنع عليه إنكاره المزعوم للنهاية الإلاهية وتدخلها في الحوادث. وقد قرر مجمع باريز اللاهوتي سنة 1269 تحريم الاعتقاد بمبادئ كثيرة من عقائد قدماء الفلاسفة، منها المسائل الثلاث التي كفر المسلمون بها أولئك القدماء:

1)علم الله بالجزئيات

2)إنكار حدوث العالم

3)حشر الأجساد بعد الموت.

وأضاف إليها المجمع التفكير باعتقاد أن العناية الالاهية لا تؤثر في أفعال الإنسان ولا تديرها، وإنكار أن الله لا يقدر أن يجعل الشيء القابل للموت والفناء (أي الإنسان وما سواه) خالدا باقيا.

ثم أن نقد المسيحيين لقانون العلة، لم يكن إلا بعد ترجمة كتاب التهافت للغزالي، واطلاع آباء الكنيسة عليه، ونفوذ تعاليم الغزالي لما لبرانش الذي درس اللاهوت دراسة متينة، ورسم كاهنا، وأخذ يعالج المسالة علاجا ميتا فيزيقيا يشبه علاج الغزالي لها، وهكذا نرى أن الغزالي اثر على دكارت في فلسفة التشكك، ,اثر أيضا على أحد رجال تلك المدرسة الممتازين في نقده للعلية، وقد مهد مالبرانش وبركلس الذي ارجع العلية إلى العقل، لهيوم، الذي قضى على العلية تماما إذ اعتبرها من عمل المخلية فحسب. (الدكتور النشار - مناهج البحث عند مفكري الإسلام ص128) .

وإذن فالإسلام والمسيحية وسائر الديانات متفقة في أن الكائنات بأجمعها مستندة إلى الله من غير واسطة، ومعنى هذا أن نواميس الله في الكون أو القوانين الطبيعية قائمة بجعل الله، وأن المسبب يقع عند السبب بإرادة الله لا بالسبب، وذلك هو الاطراد العادي الذي لا يدخل تغيره أو تخلفه في دائرة الاستحالة العقلي بحال.

«البقية في العدد المقبل»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت