فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 8
فمهما لم يقصدا لأكثر من تبرئة الإسلام من تكليف العقل الإنساني بالإيمان بما لا يقبله، أي بتصديق الخوارق العقلية، أما الخارق العادي فهما يقرانه، ولا محيد لأي مؤمن عن التصديق به.
أما هؤلاء المتفرنجين الذين مهدت لهم السبل، فقد زعموا أن محمدا لنم يأت يغير المعجزة العقلية التي هي معجزة القرآن، وفي مقدمة الدكتور هيكل في كتابه (حياة محمد) اسمعه يقول ص 44: (لقد كان صلى الله عليه وسلم حريصا على أن يقدر المسلمون أنه بشر مثلهم يوحى إليه، حتى كان لا يرضى أن تنسب غليه معجزة غير القرآن ويصارح أصحابه بذلك) وقد أكثر من هذا المعنى في كتابه، وأيده المراغي ورشيد رضا.
والحقيقة أن محمدا عليه السلام جاء بمعجزات غير معجزة القرآن التي هي أعظم المعجزات، وقد سجل كتاب الله نفسه ذلك، ألم يحدث القرآن عن إسراء الله بنبيه من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله ليريه من آياته؟ ألم يقص القرآن، علينا قصة أصحاب الفيل وما يقع لهم من الطير الأبابيل التي ترميهم بحجارة من سجيل؟ وما كان ذلك إلا إرهاصا لميلاد الرسول عليه السلام وإيلافا لقومه؟ الم يتحدث القرآن عن إمداد الله رسوله في بدر واحد بالملائكة مسومين يقاتلون معه أعداء الدين؟ ألم يقل عليه السلام أنه نصر بالرعب مسيرة ثلاثة أيام؟ ألم يتحدث عليه السلام عن المعراج والصعود إلى السماء؟ ألم ترد أحاديث مختلفة عن تكثير الطعام وإبراء المرضى وغير ذلك مما صرح العلماء بأن مجموعه ثابت ثبوت التواتر المعنوي؟
وإذن فما الموجب لإنكار أن يكون للرسول عليه السلام ومعجزة وهي ليست بدعا من أخلاق الرسل ولا مما جاءوا به؟ ولماذا نؤمن بمعجزات موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء ولا نؤمن بمعجزات محمد؟.
إن كان الخوف من انتقاد الغربيين كما يزعم الدكتور هيكل، فمحمد والإسلام لا يسلمان من انتقاد المغرضين منهم بحال. أما المخلصون فهم يقدرون أن يقع في الإسلام ما يقع في غيره من الديانات، بل أؤكد أنهم إذا تيقنوا بأن محمدا لم يأت بخوارق لا يعتبرونه أكثر من عبقري عربي، فاق أهل عصره في التشريع والتقنين وتدبير الحروب. (قل ما كنت بدعا من الرسل وما ادري ما يفعل ولا بكم) .
حقيقة أن الإسلام أراد منا أن لا نتخذ الخوارق سبلا نتطلبها، ولا أن نرى فيها أكثر من نوع من أنواع البراهين الحسية التي جعلها الله لأنبيائه، ولا أن نخرج بها من حدود الإمكان العقلي.
ولذلك أجاب الله على لسان نبيه الذين تطلبوا أكثر من ذلك أن تسقط السماء كسفا عليهم او امن يصعد إلى السماء فينزل عليهم كتابا يقرأونه منها: (سبحانه ربي هل كنت غلا بشرا رسولا) وقالLقل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا).
أما شبهة أن الخوارق تقتضي إبطال الكون ونواميسه التي قال الله عنها أنها لا تتبدل، فيجيب عنها عبده بأن الله قادر على أن يجعل من نواميسه ما تندرج فيه تلك الخوارق (فإن قيل: أن ذلك لابد أن يكون تابعا لناموس طبيعي، قلنا أن واضع الناموس هو موجد الكائنات، فليس من المحال عليه أن يضع نواميس خاصة بخوارق العادات، غاية ما في الأمر أننا لا نعرفها، ولكننا نرى أثرها على من اختصه الله بفضل من عنده، على أننا بعد الاعتقاد بأن صانع الكون قادر مختار، يسهل علينا العلم بأنه لا يمتنع عليه أن يحدث الحادث على أي هيئة، وتابعا لأي سبب إذا سبق في عمله أنه يحدثه كذلك) .
وأما ادعاء رشيد رضا بأن النبي عليه السلام لم يتحد أحدا بغير القرآن، معتمدا على أن الفرق بين المعجزة والكرامة هي أن الأولى تكون مقرونة بالتحدي، فهو مجرد دفع لا يقوى على الثبوت، لأن المتكلمين الذين اصطلحوا على تلك التفرقة لم يقصدوا غير ما سبق أن نقلناه من الأستاذ الإمام من اقتران ادعاء النبوة بوقوع المعجزة، وقد نص الدواني على أنه لا يشترط في المعجزة صريح التحدي، والذي يظهر لي لأن المقصود من التفرقة هو منع غير النبي من ادعاء الإتيان بالخارق مع ادعاء الولاية، لأن ذلك يتنافى مع طبيعة الصلاح الذي يقوم على التواضع لله وللخلق، ولولا أن النبوة تحتاج لبرهان لما أباح الله لأنبيائه أن يظهروا خوارقهم وأن أكرمهم بها.
وإذا كانت الخوارق تدخل في قدرة الله، فمعنى ذلك أن الخالق مطلق التصرف في كونه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ,إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون، وتلك هي عقيدة الإسلام التي يقررها الأستاذ في رسالة التوحيد ص 53 وما بعدها، وقد أورد الأستاذ فرح انطون في مجلة الجامعة شبهة على هذه العقيدة، هي الشبهة التي اعتاد فلاسفة العصور الوسطى توجيهها لسائر الديانات لأنها جميعها متفقة على أن الله هو الفاعل المختار لا يسال عما يفعل وهم يسألون.
وقد بين الشيخ محمد عبده في رده على الجامعة، أن هذا الأصل لازم لوجود الخالق، لأن هذا العالم إذا كان موجودا بعقل موجد فموجده هو خالقه، وهو