فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 7

نرجح الشق الثاني بدليل قوله: (فمتى ظهرت المعجزة وهي مما لا يقدر عليه البشر، وقارن ظهورها دعوى النبوة، علم بالضرورة أن الله ما أظهرها إلا تصديقا لمن ظهرت على يده، وإن كان هذا العلم قد يقارنه الإنكار مكابرة، وسنعود بعد لهذا التدقيق لأننا في حاجة إليه) .

ثم يبين الشيخ محمد عبده ص 108، إمكانية وقوع الوحي واطلاع الله على غيبه من يرتضيه من رسول أو ولي حسب استعداده وإرادة الله لإكرامه (والله أعلم حيث يجعل رسالاته) .

واعتراف الشيخ عبده بانكشاف الغيب لغير الأنبياء، دليل على أنه يقول بوقوع الخارق الذي يسمى بالكرامة للأولياء، وهذا ما يشهد له قوله في الرسالة ص 113:

(أما أرباب النفوس العالية والعقول السامية من العرفاء، ممن لم تدن مراتبهم من مراتب الأنبياء، ولكنهم راضوا أن يكونوا لهم أولياء وعلى شرعهم ودعوتهم أمناء، فكثير منهم نال حظه من الأنس، بما يقارب تلك في النوع أو الخبر، لهم مشارفة في بعض أحوالهم على شيء من عالم الغيب، ولهم مشاهد صحيحة في عالم المثال، لا تنكر عليهم لتحقق حقائقها في الواقع، فمه لذلك لا يستبعدون شيئا مما يتحدث به من الأنبياء صلوات الله وسلامة عليهم، ومن ذاق عرف، ومن حرم انحرف) .

ولكن عبده يعود فيبحث مسالة الكرامة ص 204 فيحكي إنكار إسحاق الاسفرايني والمعتزلة إلا أبا الحسين البصري لوقوعها، ويذكر أن جمهور الاشاعرة يقرون بها، محتجين بما جاء في القرآن من قصة الذي عنده علم من الكتاب، وقصة مريم عليها السلام، وقصة أصحاب الكهف.

ويحتج الآخرون بأن ذلك يوقع الشبهة في المعجزات، ورد هذه الحجة، قائلا بأنه ى محل للشبهة في المعجزة، لأن هذه تقع مقارنة لادعاء النبوة، كما رد احتجاج الأولين بقصة أهل الكهف، لأن الله عدها من آياته في خلقه، وأما قصة مريم وءاصف فقد تكون بتخصيص من الله تعالى لوقوعه في عهد الأنبياء، ثم حقق المناط، مبينا أن الخلاف إنما هو في وقوع تلك الخوارق، أما إمكان وقوعها فهو شيء مجمع عليه من سائر المسلمين.

ونحن لا نوافق عبده على أن قصة مريم ليست من قبيل الكرامات، لأن وقوعها في زمن الأنبياء لا يعكر على ذلك، ومريم في عداد الصديقات، وقد قص القرآن من خبر خضر ما يدخل في ذلك المعنى، فالذي لا شك فيه أن القرآن يؤكد وقوع الخوارق للأنبياء وللأولياء معا، ولكن الشيخ عبده معذور في موقفه هذا، لأنه يريد أن يخلص به إلى تحذير المسلمين من مختلف الدجالة الذين ما فتئوا يصطنعون الصلاح ويدعون الخوارق، حتى شغلوا عقول الناس بمغيباتهم عن الفكر والدرس والتبصر في ملكوت الله، ولذلك يقول: (أين هذا الأصل المجمع عليه مما يهدي به جمهور المسلمين في هذه الأيام، حيث يظنون أن الكرامات وخوارق العادات أصبحت من ضروب الصناعات)

والذي فات الشيخ محمد عبده تبيانه، هو أن الكرامات لا تطلب، ولا يشعر من وقعت بأنها ستصدر عنه، وإنما هي إغاثة من الله أو إكرام لمن يشاء من عباده، يظهرها كيف يشاء وحيث يشاء، وفي الوقت الذي يريد، ولذلك كان العارفون ينهون عن إتباع الكرامات وتلمسها.

قرر عبده إمكان وقوع الخوارق، واعترف بأن المعجزة من براهين النبوة، ولكنه حينما كان يناقش الأستاذ قرح انطون) في اتهاماته الموجهة إلى الإسلام، والتي منها اضطهاد المفكرين وعدم تسامح الدين مع مخالفيه، أحب أن يقارن بين المسيحية والإسلام، بدعوة الأخير إلى العقل واعتماده عليه، وتجاهل رجال الكنيسة ذلك واعتمادهم على العجائب وحدها.

وعبده وإن كان حسن النية في هذا المسلك، إلا أننا لا نوافق عليه لأمرين:

أولا: أن الله نهانا عن أن نفرق بين أحد من رسله، وبين لنا القرآن أن الدين عند الله هو الإسلام، هو دين عيسى وموسى وإبراهيم ومحمد وغيرهم من الرسل والأنبياء، والمعجزة لا يأتي بها الرسول من عنده أو من ذاته، ولكنها بأمر من الله.

حقيقة أن التبشير بالعقل الذي جاء به الإسلام كان أرقى درجات الدعوات التي وصلت إليها الإنسانية، ولكن ذلك لا يعني التنقيص من برهان المعجزة في أي عهد من عهود النبوة.

ثانيا: لأن الأسلوب مهد السبيل لبعض المتفرجين لإنكار وقوع معجزة لنبينا (صلى الله عليه وسلم) غير معجزة القرآن.

لقد كان عبده ابعد الناس عن هذا الادعاء، وكان جمال الدين اشد بعدا منه حين كان يستحسن قول البصيري:

لم يمتحنا بما تعيا العقول به

حرصا علينا فلم نرتب ولم نهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت