فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 6

العقلية، ولذلك لم ينجح في نظر هيكل، وهذا >اقرب ما يكون من التقليد للغرب والتنازل عن حق الفكر في الأمور والحكم عليها، فالنظرية الايجابية وإن كانت هدمت المناهج العقلية الإسلامية وغيرها، إلا أنها لم تنكر أن الحكم النهائي في واقع الأمر إنما يتم بالعقل، كما أن المذهب العقلي لم ينكر التجارب في الأمور المادية التي لا يمكن أن تدرك إلا عن طريق الحسن ولقد قال ستيوات ميل في منطقة: (أنه وإن كان هنالك بعض تجارب غير منحلة وغير منتقضة، فليست أي تجربة ممكنة الانحلال والانتفاض) .

وقد بين الأستاذ الكبير (عباس محمود العقاد) في كتابه عن (الله) خطأ الفكر الايجابي، موضحا أن العلم لا يشتمل على أكثر من فروض تقبل ثم ترفض حين يترجح غيرها، وإنه ليس في العلم حقيقة أبدية يمكن اليقين فيها والإيمان بها.

لست أريد أن أناقش النظريات العلمية أو الفلسفية، وإنما أريد أن أوضح معنى دفاع الشيخ عبده عن العقل، ,انه لا يرمي لأكثر من تحديد المناهج الإسلامية في المنطق وفي الكلام، وإذكاء النفوس لاستعمالها، وتنقيح ما يلزم تنقيحه منها، والزيادة فيها، والسير على منهج الأسلاف في دراسة نظريات الآخرين ومذاهبهم، واخذ ما يصح منها وبلورة كل ذلك في فلسفة إسلامية جديدة تدفع الشبهات وتقي المسلمين من العثرات.

وإذا كان العقل صديق عند المسلمين، فهل يمكن للدين أن يأتي بما فوق العقل؟.

يجيب علماء المسلمين ومعهم محمد عبده بأنه ليس في الإسلام ما بناقض العقل، أو بالتالي ليس من الممكن أن يأمر الدين بشيء يعتبر في نظر الفكر من قبيل المستحيلات العقلية.

ومن هنا جاء رفض الإسلام للقول بالتثليث وتعدد الآلهة، وأن يلد الإلاه أو يولد، غير ذلك مما يستلزم تناقضات عقلية تشبه الجمع بين الضدين، وتعدد الوجود في المكان الواحد في الوقت الواحد.

وقد أجاد عبده في مختلف أبحاثه الموضوعات التي تناولها من هذا القبيل، عن كان قد أخطأ في بعضها، كإنكار استحالة التسلسل من الجهة العقلية.

وهنا تعرض لنا مسالة ذات أهمية خطيرة بالنسبة لجميع الديانات التي تقوم على أساس الإيمان بالغيب، هل الأمر الخارق ممكن الواقع أو لا؟

أما الخارق للعقل فهذا ما بينا استحالة وقوعه، وأما الخارق للشرع فهو ممكن الوقوع ومحكوم عليه من طرف الدين بما يستحقه، وأما خرق العادة فهي المسالة التي تقف عندها أبحاث المتكلمين في جميع الشعوب، وقد عقد الشيخ عبده لها فصلا في رسالة التوحيد قال فيه ص 84: (المعجزة ليست من نوع المستحيل عقلا، فإن مخالفة السير الطبيعي المعروف في الإيجاد، مما لم يقم دليل على استحالتهن بل ذلك مما يقع، كما يشاهد في حال المريض يمتنع عن الأكل مدة لو لم فيها وهو صحيح، لمات مع وجود العلة التي تزيد الضعف وتساعد الجوع على الإتلاف) .

ويقول بعد ذلك بقليل (إن الهجرة لابد أن تكون مقرونة بالتحدي عند دعوى النبوة وظهورها من البراهين المثبتة لنبوة من ظهرت على يده، لان النبي يستند إليها في دعواه أنه مبلغ عن الله) .

لكن ماذا يقصد عبده بالتحدي؟ هل أن يقول النبي: دليلي نبوتي أني افعل كذا مما لا يعتاد البشر فعله ثم يفعله؟ أم مجرد الاقتران بدعوى النبوة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت