فهرس الكتاب

الصفحة 339 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص 5

فالعقل الذي يدعو إليه عبده هو العقل الذي نادى به القرآن وقامت عليه الحضارة الإسلامية، وهو مطلق كما صرح به الشيخ نفسه في رسالة التوحيد، ما دام المرء لم يهتد إلى الإيمان بالله، فإذا آمن به فقد وجب عليه أن يجعل في حساب فكره ما جاء منه على السنة رسله من الأسس الصالحة التي لا يمكن لعقل ولا لقلب أن يرقى بدونهما.

على أن عبده يقرر أن العقل لا يمكنه أن يستبد وحده بالوصول إلى ما فيه سعادة البشر (أن العقل وحده لا يستقل بالوصول إلى ما فيه سعادة الأمم بدون مرشد إلهي، كما لا يستقل الحيوان في درك جميع المحسوسات بحاسة البصر وحدها، بل لابد معها من السمع لإدراك المسموعات مثلا، كذلك الدين هو حاسة عامة لكشف ما يشتبه على العقل من وسائل السعادات، والعقل فيها منحت لأجله، والإضغان لما تكشفه له من معتقدات وحدود أعمال. كيف ينكر على العقل حقه في ذلك، وهو الذي ينظر في أدلتها ليصل منها إلى معرفتها وأنها آتية من قبل الله) .

وإذن فهنالك تضامن بين العقل وبين الدين، يستنجد كل واحد منهما بالآخر ويستند إليه.

نعم يصح أن يقارن عبده بدركات وأمثاله من الفلاسفة الغربيين الذين كانوا يستدلون على وجود الله بوحدة الطبيعة العالمية، على اعتبار أن الله هو المدبر أو العاقل الأول، الذي يجعل هذا الكون على اختلاف أنواعه منتظما كالشخص الواحد، فمركز الله من العالم مركز الروح من البدن، والأنانية هي التعبير الإنساني عن هذا الوجود، لأن الإنسان صاحب الفكر الذي يمتاز به عن كل المخلوقات. وهو ما جعل ديكارت يقول: (أنا أفكر إذن أنا موجود) وإذا كان المدرك - بالفتح - يتعدد فالمدرك دائما واحد.

ونحن ى نعني أن عبده أو غيره من السلفيين يوافق هؤلاء الفلاسفة على تشبيه المركز الإلهي في العالم بمقام الروح من الجسد، فذلك ما يوحي بفكرة الحلو والاتحاد أو وحدة الوجود العزيزة على فلاسفة المتصوفين من المسلمين، والتي ينكرها السلفيون إنكارا كاملا، وإنما نريد أن النظر عن طريق التفكير في الكون، وكونه لابد من مدبر، والوصول عن طريق ذلك وعن طريق التأمل الإنساني في ذاته، إلى وجود كائن أعلى واجب الوجود لمد كل موجود، وهو ما يتفق مع التوجيه القرءاني وما يرمي إليه محمد عبده.

وعبده بإلحاحه على استعمال العقل، يردي أن يقاوم اتجاهات الحادية أخرى، هي اتجاهات (أوجيست كونت) ومدرسته التي تسمى (بالفكر الايجابي) أو الوضعي، والتي تقول: إن كل شيء معقول لابد من يؤيده شيء محسوس، لأن (كونت) يزعم عدم صحة الانتقال من وجود الإدراك في الإنسان إلى وجود صاحب الإدراك حسب استنتاج ديكارت، لأن الإدراك الموجود في الذهن إنما يدل على وجود صاحبه (أي المدرك بالكسر) في الذهن، ولا يدل على وجوده في الخارج ونفس الأمر.

وقد أجاب (الشيخ مصطفى صبري) في الجزء الثالث من كتابه (موقف العقل والعلم والعالم من لاب العالمين) ص 67 على شبهة كونت، بأن أصل الخطأ عنده أن يكون موجودا في نفس الأمر أيضا، بل إن الكلام في الإدراك الواقع فعلا وكون هذا الإدراك في الذهن، إنما هو ناشئ من أجل المحل اللائق بالإدراك الواقع فعلا هو الذهن، لا من عدم كونه موجودا عينيا، فهو موجود ذهنيا وعينيا، ولا جرم أن وجود هذا الإدراك يستلزم وجود المدرك (بالكسر) وجودا عينيا، وفي محله اللائق به وخارج الذهن، إذ الإدراك الواقع لا يكون فعل المدرك الذي يوجد في الذهن ولا وجود له في الخارج.

على أن كونت لا ينكر وجود الله وإنما ينكر العلم بوجوده، إنه يهدم الأدلة العقلية، محاولا إثبات دليل سماه بالعقل العلمي، أو دليل السلوك، أو الوجدان، أو الاختلاق، فنفي العلم بوجود الله، ,اثبت الإيمان به، مؤيدا ذلك بأسباب أخلاقية، أي كما أنه لا يمكن إثبات وجود الله عن طريق العلم والتجربة كذلك لا يمكن إثبات نقيضه.

وإذا نحن سايرنا كونت، لم يعد عندنا أكثر من الشعور بالحاجة الأخلاقية إلى الإيمان بالله لإثبات وجوده، واصل الخطأ في هذا أن الله الذي هو من شواغل الباطن الإنساني يحول إلى الميدان الخارجي، ليخضع إلى تجارب العلم وفروضه، وطبعا فإن الملايين قاطبة لا يعتبرون مسائل الروح والإيمان من اختصاص العلم، وإنما يعتبرونها من اختصاصا العقل والفكر التي هي مصدر الإنسانية تصورا وتصديقا، إذ حتى التجارب لا يمكن أن يعتبر إلا إذا تصورها العقل وصدقها.

وهذا ما يفسر اهتمام عبده بالدفاع عن علم الكلام، وكتابة رسالة التوحيد لإحياء مناهج المسلمين في النظر والبحث، على اعتبار أن العقل هو السبيل الوحيد لارتفاع الإنسان من درك الحيوانية إلى فطرة الإنسانية.

وقد وقع المرحوم (احمد أمين) (والدكتور هيكل) في خطأ تحضير البراهين العقلية، مغترين بالمذهب الايجابي، حتى قال هيكل في مقدمة كتابه (حياة محمد) : ولقد قام بعض المسلمين في ظروف مختلفة، فحاولوا إدحاض (هكذا) مزاعم أولئك المتعصبين من أبناء الغرب، واسم الشيخ محمد عبده من أصنع الأسماء في هذا الصدد، لكنهم لم يسلكوا الطريقة العلمية التي زعم أولئك الكتاب والمؤرخون الأوربيون أنهم يسلكونها، لتكون لحجتهم قوتها في وجه خصومهم.

فعبده في نظر هيكل لم يسلك الطريق العلمية، أي الإيجابية التي جاء بها) ولكنه سلك الطريق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت