فهرس الكتاب

الصفحة 338 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس1958 ص4

إرجاع المسلمين إلى الدين الصحيح، وتقويم ما أعود من أخلاقهم، هو خير سبيل للرد على الشبهات التي يعرضها المرجفون على الإسلام، مستمدين من حالة المتدينين به، وذلك لا يتم قبل كل شيء إلا بالدعوة إلى النظر، ومقاومة التقليد، لأن أول صفة يجب أن تحيا عند المسلمين، هي أن يعودوا إلى ما وصفهم الله به: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) (وأحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) .

يجب أن يعود المسلمون إلى العقل، إلى الفكر في ملكوت الله ودراسة البشر، وتطورات الأجيال، وإلى النظر فيما آلوا إليه من حالة، والبحث عن أسبابها وطرق علاجها، إلى امتحان ضمائرهم إزاء النقائض التي حلت بهم.

إن الثقة بالعقل الخلاص للمسلمين، من جمود الماضي ومن جحود المستقبل، والحق أن الدعوة إلى الفكر والنظر دعوة إسلامية صميمة، صرخ بها القرآن في عشرات الآيات، ونطقت بها السنة في عديد الأحاديث، وهي التي علمت طبيعة الحضارة العربية التي ما كانت تقبل شيئا على علاته، ولكن بعد النظر والتمحيص وتقليبه على جوانبه.

يقول عبده في رسالة التوحيد ص 158 (صاح القرآن بالعقل صيحة أزعجته من سباته، وهبت به من نومة طال عليه الغيب فيها، كلما نفذ إليه شعاع الحق خلصت إليه هيمنة من سدنة هياكل الوهم: «نم، فإن الليل حالك، والطريق وعرة، والغاية بعيدة، والراحلة كليلة، والأزواد قليلة» ) .

(صرح في وصف أهل الحق بأنهم الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) ، فوصفهم بالتمييز بين ما يقال، من غير فرق بين القائلين ليأخذوا بما عرفوا حسنه، ويطرحوا ما لم يتبينوا صحته ونفعه، ومال على الرؤساء فأنزلهم من مستوى كانوا فيه يأمرون وينهون، ووضعهم تحت أنظار مرؤوسيهم، يخبرونهم كما يشاءون، ويمتحنون مزاعمهم حسبما يحكمون، إلى أن يقول:

عاب أرباب الأديان في اقتفاء آثار ءابائهم ووقوفهم عندما اختطته لهم يد أسلافهم وقولهم (بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. إنا وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثرهم مهتدون) .

فأطلق بهذا سلطان العقل من كل ما كان قيده، وخلصه من كل تقليد كان استبعده، ورده إلى مملكته يقضي فيها بحكمه وحكمته).

وإذن فعبده يقرر طبيعة الإسلام وصلتها بالعقل والنظر، لأنه يعتمد عليهما في معرفة الله وفي غيرها من الأمور ولا يرى هناك تناقضا بين العقل والرجيح والدين الصحيح بحال.

وما دام القرآن يستنهض بالعقل البشري في الدلالة على وجود الله، وعلى أن الإنسان لم يخلق عبثا ولا ترك سدى، على أنه لابد من دار عمل ودار جزاء. مادام القرآن يفعل كل ذلك فمعناه أن الإنسان قادر على الوصول إلى معرفة الله بالعقل، وقد صرح عبده في الرسالة بهذا المعنى إذ قال: أن كل صحيح لابد أن يؤدي على التوحيد.

وحينما تصدى (فرح أنطوان) لاتهام المسلمين باضطهاد أهل العلم، رد عليه الشيخ في فصول عديدة نشر بعضها في كتاب (الإسلام والنصرانية) مبينا أنه لم يقع أي اضطهاد في تاريخ الإسلام الطويل باسم الدين ولا باسم الفكر أو بالأحرى بدافعهما، وأن ما وقع من تقاتل بين الطوائف المسلمة، لم يكن مصدره إلا البواعث السياسية والتنافس على الحكم. وقارن بين موقف المسلمين من الحضارة والعلم، وموقف المسيحية منها، وفصل ما قامت به محاكم التفتيش في الأندلس مع المسلمين واليهود، وما قامت به الكنيسة مع خصومها في روما الشرقية وفي بلدان الإصلاح الديني عند قيام البروتيستانية، ثم بين ضيق فكر هؤلاء المصلحين أنفسهم، ومقاومتهم لكل المبتكرات العلمية، فموقف عبده من تأييد العقل وإعطائه السلطان المطلق في جميع الميادين التي تعد من اختصاصاته، موقف واضح بين.

ولكن إلى أي حد يصل هذا الإيمان بالنظر وإلى أية درجة ترتقي هذه الثقة بالعقل يغرق بعض المعجبين بالشيخ عبدهن فيريد أن يجعل منه لا مستنجدا بالعقل لتحرير الفكر من الخرافات وإعادته إلى دائرة التفكير في حدود الأصول المتيقنة في الإسلام، ولكن حر الفكر بالمعنى الغربي للكلمة، ومن هؤلاء صديقنا (الدكتور ابن عثمان) الذي يصرح في كتابه عن الشيخ، بأن له مجهودات فيما رواء الطبيعة تضاهي ما قام به سبينوزا، وأنه سبق للتمهيد (للفكر الحر) Libre pensee وقد قارنه ببارسكال تارة وديكارت وكارليل أخرى.

والحق أن هذه المقارنات خطيرة جدا، إذ كنا نفهم من كلمة (الفكر الحر) ما يقصد إليه الغربيون، وهو التحرر من كل المعتقدات، الناتج عن الكفاح ضد الديانات الذي قام في أوربا طيلة القرنين الثامن والتاسع عشر، فمعنى هذا أن محمدا عبده كان مدرسة تخرج على السلام، وتدعو إلى الفكر المجرد عن كل استناد إلى الذين، وهذا ما لم يقل به الأستاذ الإمام الذي ما كان يعمل إلا لتصحيح الأوضاع إلى نصابها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت