فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
نعم، إذا كان بعض هؤلاء الأدباء الأمجاد قد غدا معدودا ضمن ميئات الآلاف الشهداء الموطنين، فإن الأكثرية منهم لا تزال رهن السجن والاعتقال، منذ بضعة أعوام، زيادة عمن يعيش منهم في ديار الهجرة.
وإنا لنرى أنه من الواجب المفروض علينا أن نعير إخواننا الأدباء هؤلاء، ما هم جديرون به من عناية واهتمام، سواء من غيبتهم عن أنظارنا المنون، أو من احتوتهم غيابات السجون، خدمة للأدب والفكر في أشخاصهم، وتنويها بآثارهم ومآثرهم، التي نحرص على أن تظل موضع القدوة والتوجيه الرشيد، للأجيال الناشئة في المستقبل.
ولعل هذا أقل يفرضه علينا الوفاء لأدبنا وأدبائنا، الذين مهدوا السبل، ودللوا الصعاب - بخوضهم للمعركة الأدبية في ظروف شاقة - أمام الأبطال الذين آلوا على أنفسهم أن يقودوا معركة الحرية، خدمة لقيم عليا، ومثل إنسانية سامية، وصونا لتراث أمة عريقة ماجدة من الضياع والاندثار.
وبعد هذه الكلمة التمهيدية أريد أن أتحدث اليوم في إيجاز عن أديب واحد، من الذين ما برح السجن يحتفظ بهم، منذ أول عام من قيام الثورة، مؤملا أن تتاح لي الفرصة الملائمة، لمتابعة الحديث عن أدباء آخرين، من الذين قضوا نحبهم، وذهبوا إلى ربهم، ومن الذين نأمل أن تمتد بهم أسباب الحياة، حتى ينجزوا أداء الرسالة الفكرية والثقافية المنوطة بعهدتهم نحو وطنهم ومواطنيهم ..
كان أديبنا محمد العابد الجلالي في طليعة الكتاب الأوائل، الذين خاضوا معركة القلم بما تتطلبه من حكمة وصبر وتجرد، إنه كاتب عميق التفكير، بليغ التعبير، دبج يراعه كثيرا من الفصول الأدبية الممتعة، نشر معظمها في مجلة (الشهاب) التي كان يصدرها أستاذنا المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس بقسنطينة، تلك المجلة التي كانت منبرا حرا لأقلام عدد كبير من الكتاب والشعراء، الذين جددوا شباب اللغة العربية في الشمال الإفريقي ..
ويمتاز أسلوب كاتبنا محمد العابد بالسلاسة والوضوح، ويغلب عليه الطابع القصصي، يعبر عن آرائه ومقاصده في صراحة وقوة، وتتجلى من بين كلماته وتعابيره روحه المتمردة على الطغيان والاستبداد الثائرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية الفاسدة ..
كانت له جولات موفقة في ميدان الصحافة العربية بالجزائر، يوجه في حكمة ويقترح عن خبرة، يشتد في النقد أحيانا بقصد البناء، ويعالج الأمراض الاجتماعية والخلقية، فيضيع الدواء في مكمن الداء، وفي كل ذلك يصدر عن باعث نبيل، وضمير حر، ويسير دوما في اتجاه الهدف الوطني المنشود. ولأديبنا - فوق ما ذكرت - ناحية ايجابية في حياته الثقافية كان يمعن في الاهتمام بها، ويحرص أشد الحرص على أداء متطلباتها، ويخضعها بالمزيد من نشاطه وجهوده. تلك هي ناحية التربية والتعليم، فقد كان معدودا في هذا الحقل من أكرم المربين، ومن المعلمين المقتدرين الذين أنفقوا جل عمرهم في خدمة التربية والتعليم، والنهوض لأعبائهما، وفق أساليب التربية الحديثة، والمناهج المستمدة من نظريات وآراء أئمة هذا الفن في عصرنا الحاضر. وقد تخرجت على يده أفواج من الشباب الذي يتسم بالخلق المهذب، والوعي الرزين، والإدراك العميق لمسؤولياته الوطنية. كما تلقاها من أستاذه، الذي نراه يحدد الهدف الأسمى من تعليم المدرسة في فقرات من تقرير له، قدمه في إحدى مؤتمرات جمعية العلماء منذ ربع قرن، إذ يقول:
-إن الغرض من التعليم المدرسي هو تعليم الأطفال بالمدارس اللغة العربية.
-وهي اللغة التي تحقق الصلة بينهم وبين أسلافهم.
-وهي الكنز الذي حفظ لهم تراث أولئك الأسلاف.
-وهي اللغة التي كتبت لأسلافهم بها شهادة الخلود.
-لأنها لسان الثقافة الإسلامية.
-ولسان القرآن الكريم، والسنة النبوية، اللذين هما أصل تلك الثقافة، ومنبع وجودها.
-فحاجة النشء الإسلامي الجزائري إلى لغته، هي حاجة الخلف لما يدعم صلته بسلفه.
-وهي حاجة الوارث لما يثبت استحقاقه لميراث أسلافه.
-وبعابرة أشمل، وهي ضرورة من ضرورات الحياة الحقة، بالنسبة للمسلم الجزائري، عليها يتوقف إدراك المطمح الأسمى الذي يرمي إليه كل إنسان في الحياة ...