فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص11
الإيمان في القلوب، وأما دمت في تلك المعاشرة السالفة التي تقضي بها لياليكن فلا تطمع في الإقلاع عن تلك العادة الخبيثة.
ثم أنني كفكفت ما أنا فيه، واندفعت معه في المحادثة المتبادلة، فصار يحكي لي عما يزاوله أصحابه خفية، مما يعرق له الجبين، ويتصبب السامع به عرقا، فقلت في نفسي وأنا اسمع ذلك منه:
-من هنا كان أمثال حماد اقرب إلى الخير في نظري من أمثال هؤلاء، فإن ظواهرهم عامرة وبواطنهم خراب، وقد مرنوا على خشية الناس وعلى الجرأة على الله مرانة تامة، ولا أصعب من إزالتها من جبلاتهم، بخلاف أمثال حماد فإنهم وإن كانوا يجاهرون - وكل الناس معافى إلا المجاهرين - يرجى منهم أن وجدوا ناصحا لبقا أن يرجعوا، وقد تربوا بالتربية الأوربية على الصراحة التامة، فلا يعرفون مجمجمة ولا مراوغة، فما اعتقدوه صرحوا به علانية، ومتى اعتقدوا غدا ضد ما اعتقدوا اليوم عادوا وصرحوا به أيضا.
بت عند سعيد، لا أنكر من أمره شيئان فإنه تمشي على النمط الذي يعرف أنه موافق ذوقي، وقد صار يعلن في كل فرصة ابتهاجه بتوبته على يدي، فاقول في نفسي اللهم اجعلها توبة نصوحا.
في ضيافة إبراهيم
قابلني أمام داره ذلك الصفي القليل النظير بين شبابنا المثقف العامل فبعد التحية دخل بي إلى موضوع التحدث حول أخيه حماد، فنفضت إليه كل ما كان بيننا من حين لاقيته إلى أن ودعني. فابتهج ابتهاجا ألقى على محياه نورا لماعا من البشاشة والنضارة.
وفي عشية اليوم تناولت رسالة من البريد فإذا بها من حماد، يقول فيها:
الأخ المؤثر المكهرب بقوة حجته (فلان) تركتني على أحر من جمر، فقد أثرت مني ما لم يثره قط من أعماق فؤادي مثير، حتى أنني بياض أمس، اعتزلت في غرفتي لدراسة ذلك الموضوع الجلل، ولم أكد افتتح التأمل فيه من كتاب «فلسفة الأديان» للعالم اجوست سباتييه، حتى فاجأتني موجة من التفكير غمرتني، فظلت أسبح على أجنحة التأملات سبح الذرة في أجواز الفضاء، فنسيت نفسي والكتاب الذي بين يدي، فوجدت لتأملاتي من اللذة العجيبة ما لم أجده في تأملات صاحب الكتاب، فظللت على ذلك من الزوال حتى العشي وقد حاول بعض المعاشرين أن يخرج بي في الأصيل، فاعتذرت إليه، وبقيت كذلك حتى مضى جل الليل، لئلا تنقطع عني لذة ما أنا فيه من إمعان التأمل، واكتب إليك وإلى أخي إبراهيم أعرض عليكما - إن وافقتما - تأخير ذلك المجمع إلى ما بعد أيام، ريثما أستقر وراء تأملاتي على قرار. وإلى اللقاء القريب.
وافقناه على ما اقترح، وأبرقنا لأخويه بأننا أخرنا المجمع إلى آخر الشهر الآتي، فبدا لي ولإبراهيم تحرير رسالة نشق بها الطريق أمام تأملات حماد، متكلين على الله في نفعها، وقد تراءى لنا من رسالته، أن الذي أطلق عليه التأمل إنما هو حيرة، ونحن نعلم من علم النفسيات، أن الذي لم يكن من عادته قط إمعان الفكر في شيء يستعظمه تغلب عليه الحيرة، ويحتاج إلى من يوجه فكره إلى الناحية المخصوصة، ويستجمع قوته إليها، وقد كنت أريت حمادا كيف يفكر في الموضوع وكيف يدرسه ويبدأه على أساس ما يعلمه مما وصلت إليه العلوم الكونية اليوم من السعة والتدقيق في النبات والحيوان وأجواز السماوات، ولكنه مغلوب كما يظهر بأمواج الحيرة، فأشفقنا عليه أن يسبح كثيرا على غير الوجهة المقصودة، فكتبت إليه الآن هذه الرسالة على نهج ما تقدم مني إليه:
الدكتور العزيز الفاضل حماد
قبلنا اقتراحك، واجلنا انعقاد المجمع إلى آخر الشهر المقبل بحول الله.
إن الإنسان غير الحيوان الأعجم وليس التفاوت بينهما بالكلام البين المتزن النبرات المعلن ما في خوالج الضمائر فقط بل كان التفاوت الأعظم مرتكزا على أن الإنسان يشعر دائما أو في فينة بعد فينة على الأقل، بأنه لا يكفيه لسعادته المطعم والمشرب والمأوى، بل تتوقف غاية التوقف على ما وراء الماديات، فتتطلب إحساساته مطالب معنوية، تريد أن تستمدها من غير الماديات، فيطلبها بعضهم في مغازلات الهوى العذري إن كان حبه عذريا لا غرض له في الاستمتاع بالشهوة البهيمية، ويفتش عنها آخرون بين أصداء الشهوة الطنانة، فتراهم ينفقون كل ما في أيديهم من المادة لتذوق لذتها المعنوية، أو تراهم يتعرضون بين القنابر للفتك الذريع، تلذذا بطنين ما يستمتعون به من سمعة الشجاعة والإقدام، فيجودون في ذلك بجميع ما بين أيديهم من أولاد وأموال، بل بمهج الأرواح - والجود بالنفس أقصى غاية الجود - أو تجد آخرين يستميتون وراء معتقدات تأثروا بأرواحها غاية التأثر، فلا يبالون بالماديات ولا بكل ما إليها، بل يبذلون هذه الحياة وكل مباهجها ومتعها عن طيب نفس، ووجوههم متهللة منتظرين لحياة أسمى وأعلى.