فهرس الكتاب

الصفحة 346 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص12

فما هذا الشعور الذي يسود على الإنسان ولا يسود على غيره من الحيوانات؟ وما هذا الإحساس الذي تغمره أمواج موجة وراء موجة، حتى لا يكتفي بمتع المادة فقط؟.

فأما هؤلاء الذين يسبحون في الهوى العذري، أو كانوا مجنونين بالشهرة أو طيب الذكر، فإن متعهم كلها وإن كانت معنوية، مقصودة على هذه الحياة، ولكن الذي يستلفت أنظار المتأملين، وأفكار الباحثين، هو هؤلاء الذين يسقيهم دين من الأديان كأسا دهاقا، ويبعث منهم عاطفة متأججة، فنجدهم لا يبالون بما يبالي به أصحاب الهوى العذري، ولا عشاق الشهرة الطنانة، من متع هذه الحياة فلا يجعلونها المثل العليا.

ما هو الدين؟ ما هو الإله الذي على اعتقاد وجوده يدور محور كل دين؟ أحقيق أن هذا الإله هو الذي خلق هذا الوجود على هذا النظام العجيب الذي يراه؟ أصحيح أن القوة التي أوجدت هذا العالم هي التي تتولاه دائما في أطوار تغيرات كل ما فيه من غروب شمس وطلوعها، ونبات الأشجار ونضارتها ثم ذبولها، وتكون الحيوانات من بين أحشاء الأمهات بكبرها فكهولتها فشيخوختها فموتها؟ أصحيح أن الإنسان العاقل العالم المدجج بأسلحة المعارف وبالتجارب لا يزال ككل ما سواه من الحيوانات العجماء تحت يد تلك القوة، فهي التي تسيره كيف تشاء، وتميل به حيث تريد، وأن إرادته إنما هي قبس من إرادتها؟ وهل حقا هذه القوة موجودة، أم إنما كل ما تقوله الأديان ويتبادر إلى الإحساسات أوهام؟ أوهام تلقنها الصغير من الكبير، وتلقاها المتأخر عن المتقدم؟.

يجب على طالب الحقيقة ممن يجلس إلى مشاعره وإلى إحساساته أن ينتحي في حين من الأحيان إلى منعزل، فيجرد نفسه من كل ما كان يعلمه في هذا الموضوع قبل، أو طالعه أو سمعه سواء من جهة أصحاب الأديان أم من جهة الملحدين الكافرين بالأديان، ويتمشى على طريقة ديكارت في نبذ كل ما أثرته فيه الوراثات والبيئات، فحسب نفسه كأنه لا علم له بالموضوع، ولا له فيه تفكير قط، إلا الساعة، ثم يطلق إحساساته ومشاعره في أجواز التأمل، مستضيئا بعقله الذي هو نبراس الإنسان المختص به من بين ما حواليه من المخلوقات، ثم يجول جولة بين السماء والأرض، يبدأها من نفسه. فيقول:

-ها أنا ذا موجود بلا ريب، وهل يمكن أن يكون موجود بلا موجد؟ أو لا بد لكل محدث من محدث، كما قال غارفليد: (لا تحدث الأشياء في هذه الدنيا ما لم يحدثها أحد) وليتأمل بعقله، لو كان يمشي في فلاة خالية فوجد ءالة من ءلات المذياع أو الحاكي ملقاة ولم يكن له بها علم قطن ثم اهتدى إلى إطلاق الأصوات الرنانة من الآلة: أكان عقله يعتقد أن تلك الآلة وجدت هناك بغير موجد؟ ثم إن أمعن النظر في داخلها ورأى كل ما تحتوي عليه، أكان يحسب موجدها عاملا بحكمة، أم أن وجود كل أجزاء الآلة إنما كان مصادفة؟ فلا ريب أنه يخرج من هذا التأمل بأن للآلة موجدا وأن ذلك الموجد عالم عامل بحكمة، فإن خرج بهذه النتيجة من تأمله في تلك الآلة، فإن النتيجة التي يخرج بها في تأمل أجزاء جسمه، خصوصا أن نظر إليه بوساطة علم التشريح، أعظم من النتيجة التي رجع بها من تأمل الآلة، لان تركب الجسيم بكل ما يحتوي عليه، وكل جزء يودي وظيفته من غير إرادة خاصة من الإنسان صاحب الجسم، وأما إن أضاف إلى أجزاء الجسم الروح التي تدبر الجسم تدبيرا لا يزال مستعصيا عن مدراك العقول كما استعصى عليها إدراك منه الروح، فإن النتيجة أعظم وأعظم، ثم إذا تجاوز المتأمل في جولته هذه جسمه إلى عالم الحيوانات المختلفة المدارك، العالمة عملا واحدا بتمييز متحد، أغرب وأعجب، فإن شعوره بصحة النتيجة المتقدمة، يزداد ازديادا عظيما، خصوصا إن نظر بنظر ما أدركه العلم في دارسه عالم الحيوان، فاعتبر تأثير الحرارة على خلايا الحيوانات من حيث التحلل، والتركب، والتبخر، والامتصاص، والإفراز، ويزداد عبرة بإجالة نظرة حول غرائز أمثال النحل والنمل، ثم إذا وصل عالم النباتات فتأمل تأثير أشعة الشمس على المادة الخضراء في أوراق الشجر، وضرورة تلك المادة في النمو والإزدهار، وكيف تتنفس خلايا أوراق الأشجار؟ وكيف تتسرب ذرات الأوكسجين وجزئيات حمض الكربونيك منها إلى الأجزاء، فتتكون السوق والأغصان والأزهار والأثمار؟ كيف تختلف الأثمار من أنواع الأشجار في الألوان واللذات والأشكال والحجوم، وكيف تتلون الأزهار بألوان عجيبة تبهر الأبصار؟ وكيف تؤتي كل هذه النباتات أكلها أو أزهارها أو حبوبها في مشارق الأرض ومغاربها على كيفية منظمة؟ إذن يدرك أن القوة التي تتونى تسيير كل ذلك ليست إلا قوة عاملة بحكمة تفوق حكمة الإنسان.

وأما إذا أجال المتأمل عينيه في السماء، فرأى ءاية النهار، وأدرك أن منها مستمد القوة التي يعيش بها حيوان الأرض ونباتاته، فإنه يدرك أن موجود الأرض هو هو بعينه الموجد للسماء بدليل توقف ما في الأرض على ما في السماء، كما نرى من احتياج كل ما في الأرض إلى حرارة الشمس.

ومتى سبح بعقله مع سابحات الليل ورأى القبة الخضراء المرصعة بنجوم بيضاء، ورأى كيف تتحرك تلك المجموعة الشمسية العجيبة بكيفية مدققة الحساب، وأن عددها يصل فيما يدركه علم الإنسان إلى ملايين، ثم لم تكن تلك المجموعة الشمسية إلا مجموعة صغيرة من المجموعات التي أدرك الإنسان بعلمه وعقله وجودها، ثم عجز علما وراءها كما لا يزال عاجزا حتى في إدراك حقائق عظيمة في جسمه، فإنه يرجع وهو يسلم يقينا قدرة تلك القوة، وعلمها الواسع سعة يعجز العقل عن إدراكها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت