فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص13
لا ريب أن العالم، كحضرتك أيها الدكتور، إن جال مثل هذه الجولة، مستعينا أولا بعقله وبشعوره وبإحساسه، ثانيا بما علمه مما وصل إليه علم هذا العصر في دراسة الكون والنبات والحيوان وغيرها، جدير بأن يستنتج نتيجة عظمى في هذه الجولة، تسود سماسرة الإلحاد، وأسرى المادة، ولا سيما إن درس مع ذلك علم الأرواح، فإنه يدرك أن للعالم موجدا بلا ريب ولا شك، وأنه كما أوجد المحسوسات أوجد أيضا عوالم لا نحس بها بديهة، ولكنها موجودة يقينا، وهذا الموجد هو الله لا إلاه هو عند أصحاب الأديان، وهو الذي يعنيه غيرهم بالقوة الخفية العاملة بحكمة.
وأرجو أن تهتدي أولا من دراسة نفسك فتفكر كيف خلقت من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم صرت جنينا، ثم طفلا، ثم شابا ثم كهلا كما كنت اليوم وأنت ابن 45 سنة، فلا ريب أنه ليس لوالديك في نشأتك الأولى يد، ولا لهما أيضا يد في تنمية أجزاء جسمك، ففكر في هذا كثير، فإنه مفتاح تلك الجولة وهو نهايتها.
وأما كتاب (أوجست سباتييه) وكثير من أمثاله ككتاب (تاريخ الأديان) لرينان، فإنها لا تخرجك عن التقليد. فهذا كتاب الكون مفتوح أمامك، فاقرأ سطوره الوضاحة البينة ترشد، فإن ذلك اقرب لما تريد، وإلا فكيف تنتفع إن لم تدرس لنفسك، بقولة أو نسب رينان في كتابه المذكور:
(من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه من ملاذ الحياة، ومن الممكن أن تبطل حرية القوة العقلية والعلم والصناعة، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين أبدا، وسيبقى حجة ناطقة على بطلان المذهب المادي، الذي يريد أن يحصر فكر الإنسان في المضايق الدنيئة الطينية) وبقولة اجوست سباتييه في كتابه المذكور:
(لماذا أنا متدين؟ أنا متدين لأنني لم استطع خلاف ذلك، لأن التدين لازم معنوي من لوازم ذاتي يقولون لي: إن ذلك اثر من آثار الوراثة، أو التربية أو المزاج، فأقول لهم: قد اعترضت على نفسي كثيرا بهذا الاعتراض، ولكنني وجدتها تقهقر المسألة ولا تحلها، وإن ضرورة التدين التي أشهدها في حياتي الشخصية أشاهدها بأكثر قوى في الحياة الاجتماعية البشرية، فهي ليست أقل تشبثا مني بأهداب الدين، فالدين باق وغير قابل للزوال، لا ينضب ينبوعه بل نراه يتزايد اتساعا وعمقا تحت المؤثر المزدوج من الفكر الفلسفي والتجارب الحيوية المؤلمة) .
إن أمثال هذه الأقوال لا ينجع دواؤها فيمن ارتطم في أدران الشبه، وكان قلبه في غلاف من الشكوك، فما حك جلدك مثل ظفرك فتول أنت بنفسك الدراسة لنفسك فإن التقليد لا يحبه عاقل، ولا يقول به عالم ولا يجيد نفعا في أي دين.
إن أسباب البحث لا يعدمها الإنسان، فإن في طواياه شعورا خفيا لا يزال يدعوه إلى التأمل في أنه ضعيف، وأن ضعفه حقيقة لا ريب فيها، وكثيرا ما يدعو شعور من لا يقول بالله صاحبه إلى مراجعة الحق حين تصدمه إحدى الحوادث التي لا تنقطع عن الإنسان في كل حياته، فمن أصيب بمصيبة من هؤلاء يحس من ضميره منبها على الرجوع إلى الإقرار بالضعف، وإلى إسناد القوة لمن أوجده من العدم، ولكن كثيرا ما يمر هذا الشعور بالماديين الملاحدة، كوميض البرق، حين لا يجد منهم إصاخة ولا من إرادتهم التفاتة، ولا من عقولهم أية انتباهة لذلك، قال بعض الفلاسفة في الموضوع:
(إذا أصيب الإنسان بمصيبة تلظى فؤاده نارا، وكادت نفسه تطير شعاعا، وشعر بحقيقة ضعفه ووهنه وأحس بضئولة قوته وحوله، وإدراك كنه مركزه في هذا الوجود الهائل، وعرف أنه فيه غريب وحيد، بل طريد شريد، أينما يوجه لا يجد معينا له على بلائه، ولا مقيلا له من تعثره في ذيول لإوائه، يرفع رأسه إلى السماء فلا يرى إلا الكواكب الزهر تسبح في الفضاء، والصمت شعارها، والسكوت ديدنها ويرمي بعينيه إلى الأرض فلا يرى إلا غيرانا وجبالا وهضابا وتلالا، إن ناجاها ارتد عليه صوته أو ذهب أدراج الرياح، ثم يرجع إلى نفسه فيرى حوله قومه وبني أبيه، وليس فيهم احد منزه عن مثل ما ألم به - وهبه مليكا متوجا، أو عالما عبقريا، أو غنيا بألقاب المليونير مكللا - فليسوا بأقل احتياجا لتلمس المخلص من مهددات الوجود ومبيدات الحياة، إذن ماذا يعمل هذا الإنسان وهو في تلك الحالة الحرجة والموقف الصعب؟ بأي ركن يعتصم وإلى أي ملاذ يلوذ؟ على أي سند وفي أي مساعد يؤمل النجاة؟.
ليس أمامه إلا الترامي بين يدي تلك القوة الأزلية التي أخرجته من العدم، وقضت عليه بما هو فيه من ذلك الحال، تلك القوة التي أقامت هذا الوجود على دعائم الحكمة غير المتناهية، تلك القوة التي لم تضع شيئا في غير محله، ولم تهب شيئا بدون فائدة، تلك القوة التي وهبت الإنسان هذا الفكر الطموح، والعقل الجموح، والإحساسات المتعاكسة، والميول المتضاربة، لحكمة بالغة ومقصد عظيم.