فهرس الكتاب

الصفحة 348 من 5287

دعوة الحق، س.1، ع9 /مارس 1958 ص14

إذا ألقى الإنسان بنفسه بين هذه القوة، ثلج صدره، واطمأن على نفسه، لتحققه أن هناك قوة معتنية به ومهيمنة عليه ولو فقد الإنسان الثقة بهذه القوة فكيف تدخل نفسه طمأنينة، لم يتذوق لذة الراحة والسكينة).

ما أكثر غرور الإنسان، وما أجهله لإنسانيته وبما يراد منها، فقد يحكم على نفسه بأنه والجمادات سواء، أو ليس الجاهل المغرور يقول: إن هو إلا وجود قصير لا فائدة وراءه ثم لا حياة بعده، فلو أن إنسانا رأى آخر عمد إلى فلاة بقاع خالية، فبنى فيها قصرا عظيما فيه كل ما انتهى إليه فن المعمار من الهندسة التي تبهر العيون، وتستنفد العجب، ومن زخرفة خلابة النميقات، غريبة التنسيقات، بألوان باهرة، وتذهيبات متلألئة، وترخيم مجزع، وتزليج مرصع، ثم نسق حدائق حوالي القصر، ترف بأنواع الأزهار صنوان وغير صنوان، تتخللها جداول متدفقة بالنمير الزلال، وهي تتلوى بين حياض الأزهار المنظمة وتحت ظلال الأشجار المخضرة، ثم لم يعد الباني هذا القصر العجيب إلا ليمكت فيه ثانية فقط ثم يدعه لخراب ينعق فيه البوم، وتتخذه الغربان معششا، لعد منه ذلك حمقا أي حمق، وبلها يستحق به أن يودع في مستشفى المجانين.

أفليس كذلك من يرى كيف خلق الإنسان هذه الخلقة العجيبة بروح لا تقنع إحساساتها بالمادة، وبعقل طموح يتسع محيطه لكل هذه الكائنات على رحبها، ثم يزعم أن الحكمة التي نسقت الإنسان أحسن تنسيق، لم ترد به إلا هذه الحياة وحدها، وهي كلا شيء بين تطاول الأزمنة الماضية والحاضرة، وزيادة على أنها حياة قصيرة مفعمة بالارزاء، وبمعارك ممضة فيما وراء القوت، تنكسر فيها النصال على النصال.

ألا فليعتبر في ذلك المعتبرون الذين يقولون: إن هي إلا أرحام تدفع وقبور تبلع، فأي فرق حينئذ بين الإنسان والبهائم التي يسخرها الإنسان؟

أيها الدكتور الجليل، هناك بعض أفكار حضرت، لعلها تساندك في دراستك حول القوة الموجدة للعالم، أهي عاملة بحكمة أو لا؟ وإلى اللقاء.

«يتبع»

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت