فهرس الكتاب

الصفحة 3477 من 5287

قراءتها. وأما الحروف اللاثينية فهي أن كانت مظنة - كما يقال - لقبول رجال الجيش اذ ان الانكليز قد عودوهم عليها منذ ذي قبل، فان اختيارها لكتابة الاردية خطة مهلكة جدا من عدة وجوه ولها نتائج سيئة كثيرة بالنسبة لعامة شعبنا:

سيكون من الاولى ان كل ما يوجد اليوم من الكتب باللغة الاردية لا يبقى له أي قيمة بالنسبة لنشئنا الجديد. فاما ان نبذل ما لا ياتي تحت الحصر والعد من الأموال والجهود لاعادة طبع كل ورثناه عن اسلافنا من الكتب الموجودة الان بالعربية والفارسية والاردية بالحروف اللاتينية، واما ان نصبر على ان تصبح اجيالنا الاتية اجنبية عن ماضيها لا حضارة لها ولا تقاليد مستقلة بنفسها ورثتها عن اسلافها منذ مئات السنين ولا يبقى لديها شيء تفتخر به البتة. ان تركيا قد ماتت بهذه التجربة وذاقت وبالها قبلنا. بالفثروة العلمية التي تركها علماء الاتراك وكتابهم بجهودهم المضنية طيلة عدة قرون ماضية، موضوعة اليوم عندهم في رفوف المكتبات كالآثار القديمة ولم يعد من الممكن لنشئهم الجديد ان يقرأ فضلا عن أن يفهمها ويستفيد منها، وأخيرا لما شعرت الحكومة التركية بحاجة بلادها إلى التعليم الديني من جديد، واقامت لهاذا الغرض مدارس لاعداد الخطباء والائمة للمساجد والمعلمين للمدارس الدينية، فان الشبان ما تعلموا الللغة التركية القديمة - التي كانت رائجة في بلادهم منذ نحو ثلاثين سنة الماضية - الا كلغة اجنبية بحت. فما يدعونا اليوم إلى إعادة هذه التجربة الفاشلة في بلادنا؟

والمضرة الثانية العظيمة التي ستكون لهذه التجربة، هي ان رقينا العلمي سيقف عن التقدم دفعة واحدة، ويذهب - هكذا - زمن غير يسير ضحية لهذا النزاع السخيف حول رسم الكتابة. ان عامة افراد شعبنا مستلأنسون كابرا عن كابر برسم خاص للكتابة فلا يكون من الممكن لهم بوجه من الوجوه بمجرد اصدار الحكومة امرها بتغيير رسم الكتابة، ان يستأنسوا من فورهم برسم جديد لا عهد لهم به سابقا. انهم لن يستأنسوا به إلى مدة غير يسيرة، وانما سيجبرون على ترك رسمهم الذي هم به مستأنسون ولا يجدون أي مشقة في القراءة والكتابة به أبدا. وهكذا فان الاموال والأوقات والجهود التي ينبغي ان تنفق في نشر الثقافة وبث التعليم بين عامة افراد الشعب، ستذهب ادراج الرياح في نزاع سخيف حول رسم الكتابة. الحقيقةاننا بهذه السياسية الجديدة سنحول المتعلمين في بلادنا إلى اميين بدل ان ننشر التعليم بين الاميين، كما ان الكتاب والمؤلفين الموجودين عندنا الان لن يستطيعوا ان يقوموا بعمل علمي يذكر لانهم سيحتاجون إلى غير سنة واحدة لاستيناسهم بالرسم الجديد وتعودهم على الكتابة به قبل ان يشرعوا في تاليف الكتب والمقالات به فعلا.

والمضرة الثالثة الكبرى التي ستلحقنا اذا قدمنا على هذه الخطوة المعوجة، اننا نستقطع عما حولنا من البلاد الاسلامية الأخرى ونعود على أهاليها المسلمين كالأجانب، فان عامة الأمم الاسلامية من أندونيسيا وافغانستان شرقا إلى الشرق الأوسط وشمالي افريقية والمغرب العربي غربا لا تقرأ ولا تكتب الا بالرسم العربي ولدا فان رسمنا الحالي لكتابة اللغة الاردية ليس بشيء اجنبي عليها ومن اجل ذلك تبقى الروابط الثقافية قوية مستحكمة بيننا وبينها. ولكننا اذا اخترنا لكتابة لغتنا الرسم اللاتيني فلابد أن نبتعد عنها ونعود عليها كالأجانب شأن الأتراك، لقد اراد الاتراك ان يعدوا من الامم الغربية، ولكنهم ما رجعوا في سياستهم هذه الا بخفي حنين: اوهنوا صلتهم بالامم الاسلامية في جانب الاخر. غير ان الاتراك كان لهم - على كل حال - نوع من الاتصال الجغرافي ببلاد الغرب، واما نحن فاذا جئنا نقتفي ىثارهم مبتغين بذلك التقرب إلى الغرب، فلا يكون من نتيجة ذلك الا ان بلادنا ستصبح بمثابة جزيرة مستعمرة لاهل الغرب لا يربطها شيء بما حولها من البلاد الاسلام الأخرى.

هذا، فهل لنا ان نتساءل بعد بيان هذه المضار الفادحة والنتائج الموبقة لسياسة اختيار الحروف اللاتينية للغة البلاد الاردية: ماهي المنافع او الصالح التي عسى ان نكتسبها بهذه السياسة حتى نتحمل في سبيلها هذه المضار والنتائج؟ فان كان المقصود من وراء هذه السياسة ان يكون لكل واحدة من لغتي البلاد - الاردية والبنغالية - رسم واحد، فان هذا المقصود يمكن الظفر به على وجه احسن باختيار الرسم العربي اذ ان اخواننا في شرقي باكستان مضطرون على كل حال إلى ان يتعلموا لرسم العربي لمعرفتهم قراءة القرءان الحكيم، وليس هناك فرق كبير بين الرسم العربي والرسم الحالي للغة الاردية. واما اذا كانت التسهيلات في طباعة الحروف اللاتينية هي التي تدعو إلى هذا التغيير، فان هذا المقصود ايضا يمكن الحصول

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت