فهرس الكتاب

الصفحة 3487 من 5287

أخلاق"الطالب"وأفكاره ونفسيته بتعاليم مجهزة تجهيزا علميا حتى إذا أتم دراسته أسبغوا عليه ألقابا فخمة وأمدوه بلافتات علمية ورجع إلى بلاده بأفكار"إصلاحية"جذرية تقتضي القضاء على خرافة الدين الإسلامي وعلى أسباب الانحطاط، كما يلقنها له كهنته. وهكذا يخرج من كنانته المتعفنة سهام الأحقاد المصنوعة في الغرب ليسددها نحو دينه ولغته، وبذلك يساهم بحظ كبير في انتحار أمته والقضاء على الأسباب الحقيقية لنهضتها في حين يضيف لتراث أمراضنا الاجتماعية أنواعا جديدة من الأمراض ركبت تركيبا خاصا، وطعمت بها أفكار أصحاب اللافتات العلمية (وأمروا) أمرا شعوريا أو لاشعوريا ببث تلك الميكروبات في الأوساط الجامعية والثقافية.

ومحمد عبده يعرف ما يقول، فلا يلقي الكلام على عواهنه وأنما يستمده من واقع شاهده: وتعزيزا لفكرة محمد عبده نسوق بعض أقوال المبشرين: يقول المبشر تكلي: يجب أن نشجع إنشاء المدارس وأن نشجع على الأخص التعليم الغربي، إن كثيرين من المسلمين قد زعزع اعتقادهم حينما تعلموا اللغة الإنجليزية، إن الكتب المدرسية الغربية تجعل الاعتقاد بكتاب شرقي مقدس أمرا صعبا جدا (1) .

ويقول أستاذ أساتذة كثير من العرب والمسلمين لويس ماسينيون: إن الطلاب الشرقيين الذين يأتون إلى فرنسا يجب أن يلونوا بالمدنية المسيحية (2) .

ولويس ماسينيون له أكبر الأثر في إفساد عقول كثير من شبابنا في العالم الإسلامي كما أن له فضلا عظيما في تخطيط البرامج الاستعمارية في البلاد الإسلامية لأنه مستشار لوزارة المستعمرات الفرنسية.

ومن مؤامرات الاستعمار في هذا الميدان - ميدان الثقافة والعلم - على العالم الإسلامي محاولة الخفض من المستوى العلمي للشهادات العليا، فنراه يتساهل تساهلا فاضحا في منح الألقاب العلمية، بل إنه ليضع شهادات خاصة لا تعطى إلا لمن ينتمي للأمم المتخلفة الضعيفة، وإن تلك الشهادات وإن كانت تتشابه في الاسم -فقط- مع الشهادات التي يحصل عليها أصحاب البلاد من المستعمرين وأبنائهم، فشتان بين القيمة العلمية لها ولهذه .. وقد لام صديق لي أحد المشرفين على (منح) هذه الشهادات بسهولة مزرية فاعتذر قائلا: إن حاملها لا يزاحم أبناء بلادنا .. وعواصم (طبع هذه الشهادات) معروفة لدى الجميع، ولقد تفطنت الجمهورية العربية المتحدة والعراق - حسب ما قيل لي - لهذه الدسائس، وقد اتخذت ج. ع. م إجراءات تستهدف منها مراقبة هذا النوع من السوق السوداء، وصيانة مستواها العلمي والثقافي، وكنت قد قرأت في مجلة الآداب فضيحة بعض حاملي هذه الشهادات الأجنبية، وسوف نعود لموضوع هذه القصة عندما تتم لنا المواد اللازمة لتحذير البلاد من شرور أخطارها.

أما التأثير في البرامج الرسمية فيتوصل الاستعمار إليه عن طريق (تلامذته) المخلصين المنبثين في مختلف الوزارات والمصالح وبالأخص وزارة التربية، وعن طريق اتفاقيات ثقافية، وقد تتاح الفرصة لأبنائه البررة للإشراف على وضع البرامج والسهر على تنفيذها، ومراقبة سير ونشاط الأساتذة وتوجيه التلاميذ إلى حيث يراد لهم.

وباسم الفنية يستطيعون أن يحققوا انتصارات حاسمة على النوايا الطيبة، والاتجاهات الوطنية، بما يصنعون من وسائل العرقلة، وعوامل التثبيط، وقتل للنمو الفكري والتطور العلمي، وبذلك يفرضون على التاريخ القهقرى، ويضيعون على الأمة كثيرا من الفرص والطاقات، والمواهب، والأموال، والأوقات، ويجبرونها على أن تظل في مؤخرة الركب الإنساني مولية وجهها شطر الهاوية. ويركبون في جهاز سيرها نحو أهدافها المثلى (عامل تنقيص القوة) ليحيد بها عن الطريق المستقيم، وهكذا تسلب (حركة) الأمة فعاليتها وتصبح مشلولة .. وبذلك تصبح المدارس الرسمية متناسقة الأهداف مع المدارس الأجنبية متجاوبة معها في إفساد الجيل، متفقة مع (ضابط النغم الخبيث) الذي يعزف مقطوعاته اليومية في مرح المؤامرات.

1 التبشير والاستعمار في البلاد العربية ص 88 - 89

2 نفس المرجع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت